فكرة | إلهام | حكاية

القبلة | ثبات الوجهة واتساع المسير

قلم: مريم علي

حين نقف على سجادات الصلاة نحرص على ضبط اتجاهنا نحو القبلة، لهذا الحرص مكانه في العبادة لكن السؤال الذي يستحق أن يصاحبه هو: ماذا يبقى فينا من معنى الوجهة حين نطوي السجادة ونعود إلى الحياة؟

يفتح هذا السؤال باباً للتأمل في القبلة بوصفها بوصلة للمسير؛ نستقبلها في صلاتنا، ونستلهم من ثباتها معنى نحمله إلى عالم تتبدل فيه الأمكنة وتتزاحم فيه المقاصد 

يقول تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩]. ويأتي في الآية التالية: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠، من الآية].

الأمر هنا باستقبال القبلة حيثما يكون الإنسان وفي اقتران التوجه له بالخروج صورة تستحق التأمل، إنسان تتغير مواضعه وتبقى له وجهة مشتركة مع غيره ومن تكرار هذا التوجه في الصلاة نستعير سؤالاً لحياتنا: ما الذي يبقى ثابتاً فينا حين تتغير الأمكنة؟

نخرج للعمل والتجارة وطلب العلم، وننتقل بين بيئات وتجارب مختلفة، وهذا الاتساع يختبر قدرتنا على الجمع بين الانفتاح وحفظ الانتماء، أن نتعلم مما نلقاه ونشارك في العالم ونظل واعين بالقيم التي تضبط سعينا، هنا تكتسب صورة القبلة بوصفها بوصلة معناها – ثبات الوجهة يصاحب الحركة ويمنحها اتزاناً- 

وفي سياق آيات القبلة يقول تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨].

يلتقي الحديث عن الوجهة هنا بالدعوة إلى استباق الخيرات وهذا التجاور يدعونا إلى تأمل الصلة بين الوجهة التي نستقبلها والخير الذي نسعى إليه، وإلى استحضار أثر انتمائنا في أعمالنا وعلاقاتنا ومسؤولياتنا.

وتأتي الصلة بين الصلاة والسعي واضحة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]. ففي سياق صلاة الجمعة، تقترن العودة إلى طلب الرزق باستمرار الذكر ثم تنقضي الصلاة ويستأنف الإنسان سعيه ويصحبه ذكر الله إلى ما وراء موضع العبادة.

ولنتأمل صورة مسافر حملته التجارة أو رحلة العلم بعيداً عن بلده، يقف للصلاة في مكان جديد، ويتوجه إلى البيت الحرام، كما يتوجه إليه مسلمون لا يعرف أسماءهم ولا لغاتهم؛ يجمعهم اتجاه واحد على تباعد الديار وفي هذه الصورة معنى عميق للانتماء ، يستطيع الإنسان أن يبتعد في المسافة وأن يظل موصولاً بمن يشاركونه الإيمان والقبلة.

من هنا ينشأ القلق من اختزال القبلة في وعينا إلى زاوية داخل غرفة فالاختزال يبدأ حين يستغرقنا ضبط الصورة، ويضعف انتباهنا إلى ما توقظه فينا من معنى 

نعرف إلى أين نتوجه حين نصلي، لكننا قد لا نسأل بالقدر نفسه عمّا يوجّه خياراتنا حين نعمل ونتعامل ونختلف.

وهنا نستطيع مساءلة علاقتنا بالعبادة، هل يعيننا تكرارها على تجديد الوعي، أم نترك للألفة أن تحجب عنا بعض معانيها؟ إن استحضار معنى الوجهة يمنحنا فرصة لأن نصحب أثر الصلاة إلى سعينا، وأن يظهر شيء من هذا الأثر في أمانة العمل، وحسن التعامل، ووضوح المقصد.

للمحراب أن يدلنا على جهة الصلاة، ولنا أن نستحضر ما وراء حدوده، البيت الحرام الذي نتوجه إليه ووحدة الانتماء التي تجمعنا والمسؤولية التي نعود بها إلى الحياة، بذلك يتسع معنى الوقوف، ويصبح لحظة نستجمع فيها أنفسنا قبل مواصلة المسير.

حين تقف في صلاتك القادمة، استحضر أنك في نقطة من هذا الكوكب يجمعك الاتجاه بملايين تفرقت بهم السبل ثم خذ معك إلى يومك سؤال الوجهة: 

إلى ماذا يمضي سعيك، وأي خير يتركه وراءه؟

فالأرض تتسع لخطواتك والقبلة تذكّرك بأن يكون لهذه الخطوات اتجاه ثابت. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *