فكرة | إلهام | حكاية

النقاب | واجب ديني أم إلزام اجتماعي؟

قلم: مريم علي

لطالما شغل لباس المرأة الناس، حتى صار عند بعضهم مقياسًا لأخلاقها وإيمانها ومبررًا للتدخل في تفاصيل حياتها، وبين العادات الموروثة والتفسيرات الدينية كثيرًا ما غاب السؤال الأهم: أين المرأة نفسها من كل هذا؟ أين صوتها وقناعتها وحقها في أن تُعامل بوصفها إنسانًا مسؤولًا عن اختياراته؟

أكتب هذا من عمق التجربة؛ فقد عرفت منذ صغري معنى أن يُفرض على المرأة لباس محدد، بل لون محدد، وأن يصبح الخروج عن المألوف مدعاة للوم والتشكيك، مهما كانت أخلاقها وسلوكها، وعرفت كيف يمكن أن يتحول اللباس من ممارسة تعبّدية إلى امتحان يومي للطاعة والقبول الاجتماعي.

في بعض البيئات، لا ينتهي الأمر بفرض النقاب؛ بل يمتد إلى رفضه لأنه يُظهر العينين، واشتراط «الغشواية» أو «الغطوة»؛ وهنا يحق لنا أن نسأل: ما حدود الحكم الديني، وأين تبدأ العادات التي أُلبست ثوب القداسة؟ وهل يصبح كل ما هو أشد سترًا أكثر وجوبًا لمجرد أنه أشد؟

حين يُقال إن النقاب فرض على كل امرأة، فمن حقها أن تسأل عن الدليل وعن دلالته، وعن مساحة الاختلاف في فهمه؛ السؤال ليس خروجًا عن الدين وطلب الحجة ليس استخفافًا بالشرع والإلزام لا ينبغي أن يُبنى على عبارة «هكذا وجدنا الناس» أو على الخوف مما سيقولونه فالله تعالى يأمر بالإتيان بالدليل ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ). 

والنقاش هنا يحتاج إلى الدقة، القول بوجوب تغطية الوجه مسألة وقع فيها خلاف فقهي، فلا يصح عرض رأي واحد باعتباره القول الوحيد الذي لا يحتمل النقاش، ولا جعل مخالفته سببًا لاتهام المرأة في دينها وأخلاقها.

لكن سؤالي يتجاوز الحكم إلى طريقة التعامل مع المرأة: ماذا يفعل بها خطاب يربط ظهور وجهها بالعار ويحمّلها وحدها مسؤولية نظرات الآخرين؟ وكيف تتشكل علاقتها بنفسها حين تتعلم أن القبول مشروط باختفائها، وأن وجهها مصدر تهمة ينبغي إخفاؤه؟

ولمن تقول إنها ترتدي النقاب عن قناعة فإن قناعتها تستحق الاحترام، ومع ذلك يبقى سؤال الحرية جديرًا بالتأمل، لو تغيّرت قناعتك يومًا فهل تستطيعين التعبير عن ذلك بأمان؟ أم ينتظرك اللوم والتهديد والتعنيف؟

وجود هذا الخوف لا يثبت أن قناعتك زائفة لكنه يكشف أن البيئة المحيطة قد لا تسمح لك بالاختيار أصلًا، فالحرية تُختبر أيضًا في قدرتنا على مراجعة قراراتنا، لا في موافقة ما يريده الآخرون منا فحسب.

وحتى لو ثبت وجوب النقاب بدليل واضح، فهل يمنح ذلك أحدًا حق فرضه بالقوة؟ أليس الله تعالى هو القائل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؟ وقد قال لنبيّه ﷺ: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. 

إنني أستحضر هاتين الآيتين لأسأل: من أين نستمد حق الوصاية على ضمائر الناس، والتحكم في اختياراتهم باسم الحرص على إيمانهم؟

متى نتعلم أن نترك للناس مساحة الاختيار، وأن نفرّق بين النصيحة والتسلّط، وبين بيان ما نعتقده حقًا وإجبار الآخرين عليه؟ فالإنسان مسؤول أمام الله عن عمله، والقناعة لا يصنعها التهديد، والإيمان لا يُزرع بالإكراه.

ولا أريد أن يتحول نقد فرض النقاب إلى وصاية مقابلة على من ترتديه؛ المرأة التي تختاره لا تستحق السخرية، كما أن المرأة التي لا ترتديه لا تستحق الإهانة أو التشكيك، وما أرفضه هو اختزال النساء في لباسهن ثم توزيع أحكام الفضيلة والرذيلة عليهن بناءً عليه، فلا نعالج القهر بقهر آخر ولا نستبدل بمن يفرض على المرأة أن تغطي وجهها من يفرض عليها أن تكشفه.

إن الدعوة إلى الاحتشام لا تبرر الإذلال، والنصيحة لا تمنح أحدًا حق التهديد. كما أن مسؤولية الإنسان عن نظره وسلوكه لا تسقط بسبب لباس غيره؛ فغض البصر مسؤولية صاحبه، واحترام المرأة لا يجوز أن يكون مشروطًا بموافقتها على تصورات الآخرين.

ما أدافع عنه هو حق المرأة في أن تفهم وتسأل وتقتنع، وأن يُسمع صوتها في أمر يتعلق بجسدها وحياتها وإيمانها، متى نثق بأنها إنسان يملك عقلًا وضميرًا، وقادر على تحمّل مسؤولية اختياراته؟ ومتى تصبح كرامتها أساس هذا النقاش، بدلًا من أن تكون أول ما يُهدر فيه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *