فكرة | إلهام | حكاية

ارتداد الوهم | حين يصبح المتلاعب أسيرًا للرواية التي صنعها

قلم: مريم علي

يُعرف الشخص الذي يستخدم التلاعب النفسي بقدرته على إعادة صياغة الواقع بما يخدم روايته، ومن أشهر الأساليب المرتبطة بذلك ما يُعرف بـ “تشويه الواقع” (Gaslighting)؛ حيث يتم إنكار بعض الوقائع، والتشكيك في ذاكرة الطرف الآخر أو إدراكه، وإعادة ترتيب الأدوار بطريقة قد تجعل الضحية مع الوقت أقل ثقة بما رأته وسمعته وعاشته.

لكن ما قد لا ينتبه إليه الشخص الذي يكرر هذا الأسلوب هو أن تشويه الواقع لا يؤثر في الآخرين فقط، بل قد ينعكس عليه هو أيضًا.

فحين يعتاد الإنسان تفسير كل موقف بطريقة تحمي صورته عن نفسه، وتُبعد عنه المسؤولية، قد يصبح من الصعب عليه مع الوقت أن يرى الأحداث كما هي فعلًا.

تشوه العدسة: حين يبدأ الإنسان بتصديق روايته

قد يقضي الشخص المتلاعب وقتًا طويلًا في إعادة صياغة الأحداث بما يجعله دائمًا في موقع الضحية، أو المنقذ، أو الطرف الذي لم يُفهم كما ينبغي.

ومع تكرار هذا النمط، قد لا يبقى الأمر مجرد وسيلة يستخدمها لإقناع الآخرين، بل يصبح أيضًا جزءًا من طريقته في فهم ما يحدث حوله.

فيبدأ بتفسير الوقائع وفق الرواية التي اعتادها، ويبحث عن كل ما يؤكدها، ويتجاهل أو يعيد تأويل ما يناقضها.

وهنا يمكن القول، على سبيل المجاز، إنه يبدأ بممارسة نوع من “تشويه الواقع على نفسه”.

فهو لا يعود فقط يحاول إقناع الآخرين بأنه على حق، بل قد يصبح هو نفسه أكثر اقتناعًا بذلك، ويرى من يعارضه ظالمًا أو جاحدًا أو معتديًا عليه.

ومع الوقت تضيق المسافة بين الحقيقة وبين الرواية التي صنعها لنفسه، حتى يصبح أسيرًا للصورة التي اختار أن يرى العالم من خلالها.

يقدم القرآن الكريم صورًا عميقة لحال الإنسان حين يصر على رفض الحق أو الإعراض عنه، ومن ذلك قوله تعالى:

“خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ”.

وليس المقصود هنا أن نجعل الآية تشخيصًا نفسيًا لشخص بعينه، أو نحكم بها على أحد، وإنما نتأمل المعنى الإنساني العميق فيها: أن الإصرار على رفض الحقيقة قد يقود الإنسان إلى مزيد من الانغلاق عنها.

فالإنسان حين يعتاد الإنكار والتبرير والهروب من مراجعة نفسه، قد تضعف لديه القدرة على رؤية الأمور بوضوح.

ومع مرور الوقت قد يصبح أكثر ثقة بروايته، حتى لو كانت الوقائع من حوله تناقضها.

ويظهر معنى قريب من ذلك في قوله تعالى:

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ”.

ولعل أكثر ما يستوقف في الآية قوله تعالى:

“ولكن لا يشعرون” 

فالإنسان قد لا يبقى دائمًا في حالة كذب واعٍ ومخطط له، بل قد يصل أحيانًا إلى درجة يصدق فيها التفسيرات التي يكررها لنفسه.

قد يؤذي من حوله، أو يظلم أبناءه، أو يشوه صورة شريك أو قريب، ثم يفسر كل ذلك لنفسه باعتباره دفاعًا عن الحق، أو حماية للنفس، أو محاولة للإصلاح.

وهذا لا يعني بالضرورة أنه غير واعٍ تمامًا بما يفعل؛ فقد توجد درجات متفاوتة من الوعي والإنكار والتبرير.

لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تصبح التبريرات أقوى من القدرة على مراجعة الذات.

عندها قد يرى الإنسان الظلم حقًا، والأذى دفاعًا، والفساد إصلاحًا.

الجزاء من جنس العمل: حين يصبح الوهم سجنًا

ومن أشد النتائج التي قد يصل إليها من اعتاد التلاعب بالحقائق أن يصبح هو نفسه أسيرًا للرواية التي صنعها.

فمن يعتاد التحكم في صورة الواقع أمام الآخرين قد ينسى مع الوقت أن الواقع نفسه لا يتغير بمجرد إعادة وصفه.

قد يظن أنه ما زال يسيطر على الصورة، بينما تكون الحقائق من حوله قد بدأت تتكلم بلغة مختلفة تمامًا.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ “العمى الاستراتيجي”؛ أي فقدان القدرة على قراءة الموقف بواقعية بسبب الاعتماد المستمر على رواية ذاتية لا تحتمل الخطأ.

وعندما تظهر لاحقًا نتائج قانونية أو اجتماعية أو أسرية لأفعاله، قد تكون الصدمة كبيرة.

ليس بالضرورة لأن الندم قد ظهر، وإنما لأن الواقع الخارجي لم يعد يستجيب للرواية الداخلية التي اعتادها.

فهو يتوقع أن ينجح الأسلوب نفسه مرة بعد أخرى، ثم يجد نفسه أمام وقائع لا يمكن تغييرها بالإنكار أو قلب الأدوار أو إعادة سرد الحكاية.

وفي هذه اللحظة يصبح الوهم الذي استُخدم طويلًا في مواجهة الآخرين عبئًا على صاحبه نفسه.

فمن اعتاد تشويه الواقع قد يفقد تدريجيًا القدرة على التعامل معه كما هو.

لهذا، لا ترهق نفسك بمحاولة إقناع شخص مصرّ على روايته بالحقيقة في كل مرة، ولا تجعل اعترافه بخطئه شرطًا حتى تستمر في حياتك أو تحم حقوقك.

ليس مطلوبًا منك أن تدخل في صراع لا ينتهي لإثبات ما تعرفه بالفعل.

قد يكون الطرف الآخر قد اختار أن يرى الأحداث من زاوية مختلفة تمامًا، وقد لا تكون لديك القدرة على تغيير تلك العدسة مهما حاولت.

ما تستطيع فعله هو أن تبقى أنت مرتبط بالواقع، بالحقائق، والحدود الواضحة، والحقوق، والقرارات العملية.

فالحقيقة لا تتوقف عن كونها حقيقة لأن شخصًا رفض الاعتراف بها، والواقع لا يحتاج إلى موافقة أحد حتى يفرض نفسه في النهاية؛ اترك لكل إنسان الرواية التي اختار أن يعيش داخلها، وابنِ أنت حياتك على أرض أكثر وضوحًا وثباتًا.

فأحيانًا تكون أكبر راحة هي أن نتوقف عن محاولة إيقاظ من اختار أن يغمض عينيه، ونستخدم بصيرتنا نحن لنرى الطريق أمامنا بوضوح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *