قلم: مريم علي
ثمة سؤال يسبق الجدل التقليدي حول المهدي: هل سيظهر؟ ومن هو؟ ومتى يظهر؟
السؤال الذي أراه أعمق هو:
ماذا يحدث لصورة الرسالة المحمدية حين تُنقل أعظم وظائفها التاريخية إلى شخصية غيبية تأتي بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟
ليس المقصود هنا إنكار إمكان ظهور قائد عادل في المستقبل؛ فلا شيء يمنع أن يظهر مصلح عظيم، أو قائد يقاوم الظلم، أو إنسان يحدث تحولًا واسعًا في التاريخ.
كما أن هذا النقد لا يفترض أن المؤمن بالمهدي يقصد الانتقاص من مقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ بل إن المؤمنين بهذه العقيدة يرونها في الغالب امتدادًا لرسالته ونصرًا لدينه.
لكن السؤال هنا مختلف:
ما النتيجة التي تنتج عندما تتضخم صورة المخلّص حتى تُنسب إليه الوظائف الكبرى التي حملها المشروع النبوي أصلًا؟
حين يقدم القرآن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه لا يقدمه بوصفه مقدمة عابرة لمشروع سيأتي شخص آخر ليكمله.
بل يقول:
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ الأحزاب: 46
تأمل هذا الوصف: ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾
النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي تلقى الكتاب، وهو الذي دعا إلى الله، وهو الذي واجه الشرك والظلم، وهو الذي كوّن الجماعة المؤمنة، وهو الذي حمل مشروع الرسالة في واقعه التاريخي، وهو الذي جاء بالكتاب الذي بقي بعده معيارًا وهداية.
لكن عندما نتأمل بعض الصور المتضخمة للعقيدة المهدوية، نجد انتقالًا لافتًا في مركز البطولة الدينية: من الذي سيجمع الأمة؟
المهدي.
من الذي سيقضي على الظلم؟
المهدي.
من الذي سيحقق الانتصار التاريخي النهائي للحق؟
المهدي.
من الذي سيعيد الدين إلى صفائه؟
المهدي.
من الذي سيملأ الأرض قسطًا وعدلًا؟
المهدي.
ومن الذي ينتظره التاريخ حتى تبدأ المرحلة الكبرى من انتصار الحق؟
المهدي.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
إذا نُسبت ذروة انتصار الدين، وإقامة العدل، واجتماع الأمة، وهزيمة الظلم، إلى شخصية أخرى تأتي بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فماذا يحدث لمركزية المشروع النبوي نفسه؟ هل أصبح النبي مبلغًا والمخلّص منفذًا؟
لا يقول المؤمن بالمهدي إن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قصّر في أداء رسالته، ومن غير المنصف أن ننسب إليه هذا الاعتقاد، لكننا نستطيع أن نسأل عن النتيجة المنطقية للصورة عندما تتضخم، لأن الصورة قد تصبح عمليًا: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلّغ الرسالة… ثم يأتي المهدي ليحقق انتصارها النهائي.
النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالكتاب… ثم يأتي المهدي ليعيد الأمة إليه.
النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حمل مشروع القسط… ثم يأتي المهدي ليملأ الأرض قسطًا.
النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسس الجماعة… ثم يأتي المهدي ليجمع الأمة في صورتها النهائية.
وكأن النبي جاء بالمشروع، ثم يأتي شخص آخر لينجز المشروع! وهنا يجب أن نتوقف؛ ليس لأن ظهور مصلح بعد النبي مستحيل، بل لأن تحويل هذا المصلح إلى شخصية غيبية مركزية في اكتمال التاريخ الديني يحتاج إلى دليل يوازي ضخامة هذه الوظيفة.
يقول الله عز وجل :
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ المائدة: 3
ولا يصح أن نجعل هذه الآية وحدها دليلًا على استحالة ظهور قائد عادل بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ كمال الدين شيء، وظهور المصلحين شيء آخر.
يمكن أن يظهر بعد النبي ألف عالم ومصلح وقائد عادل دون أن يناقض ذلك اكتمال الدين، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين قولنا:
قد يظهر قائد عظيم في المستقبل.
وبين قولنا:
هناك شخص مخصوص اصطفاه الله، وغاب عن الناس، وسيعود في نهاية التاريخ، وله وظيفة خلاصية عالمية، ويجب أن يدخل الإيمان به ضمن البناء العقدي.
الأولى إمكانية تاريخية، أما الثانية فهي دعوى عن الله وعن الغيب، والدعوى عن الله تحتاج إلى برهان.
وهنا نصل إلى آية مركزية في القضية:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الحديد: 25
تأمل ترتيب الآية: الله أرسل الرسل، وأنزل البينات، وأنزل الكتاب، وأنزل الميزان.
ثم من الذي سيقيم القسط؟ ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
الناس!
هذه الكلمة تغير مركز السؤال كله.
القرآن لا يجعل مسؤولية القسط، في هذه الآية، معلقة على فرد غيبي سيظهر في المستقبل، بل يجعل الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتاب والميزان أن: يقوم الناس بالقسط؛ وهنا ربما ينبغي أن نعكس السؤال، بدل أن نسأل:
متى يظهر المخلّص ليقيم العدل؟
ربما ينبغي أن نسأل:
لماذا ننقل إلى المخلّص مسؤولية وضعها القرآن على الناس؟
يقول الله تعالى :
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ الأنبياء: 105
من يرث الأرض؟، الآية لا تقول: رجل واحد؛ بل تقول:
﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
ويقول تعالى :
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ النور: 55
من المخاطب بالاستخلاف؟
الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
فتتكرر أمامنا صورة: الرسل يأتون بالبينات، الكتاب والميزان ينزلان، المؤمنون يعملون، الصالحون يرثون، والناس يقومون بالقسط.
إنها مسؤولية جماعية، لا مسؤولية يصرح القرآن بأنها معلقة على ظهور فرد واحد في آخر التاريخ.
ومن أضعف الحجج في نقد المهدوية أن يقال:«كلمة المهدي غير موجودة في القرآن، إذن لا يوجد مهدي».
هذا الاستدلال لا يكفي؛ فالقرآن لا يحتاج بالضرورة إلى ذكر اسم الشيء حتى يثبت مفهومه.
لذلك فإن السؤال الأقوى ليس: أين كلمة المهدي؟
بل: أين تأسيس المنصب؟
إذا كان المقصود مجرد قائد صالح يظهر مستقبلًا، فلا توجد مشكلة من حيث الإمكان؛ لكن إذا أصبح المقصود منظومة كاملة تتضمن: الاصطفاء الإلهي، والغيبة، والظهور، والدور الخلاصي العالمي، وإقامة العدل النهائي، ووجوب الاعتقاد، وفي بعض التصورات النيابة والطاعة والسلطة أثناء الغيبة…
فنحن لم نعد أمام احتمال تاريخي بسيط، نحن أمام منظومة عقدية كاملة! ؛ وهنا يصبح من حق الإنسان أن يسأل: أين عرّف القرآن هذا المنصب؟ أين جعل الإيمان بصاحبه تكليفًا؟ أين أخبر أن إقامة العدل الكبرى متوقفة على ظهوره؟ أين أسس لغيبته؟ وإذا ادعى إنسان أو مؤسسة النيابة عنه، فأين أعطاهم الله حق الحديث والسلطة باسمه؟
هذه الأسئلة لا تثبت استحالة ظهور المهدي، إنها تفعل شيئًا آخر: تضع عبء الإثبات على من ينسب هذه المنظومة إلى الله.
فالاحتمال لا يثبت العقيدة، والعقيدة لا تثبت الحجية، والحجية لا تثبت النيابة، والنيابة لا تثبت السلطة، وكل انتقال يحتاج إلى دليله الخاص.
- هل انتقلت بطولة الرسالة إلى المستقبل؟
هنا نصل إلى أكثر أجزاء المسألة حساسية.
حين نقول إن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالرسالة، ثم نجعل أعظم انتصار تاريخي لهذه الرسالة متعلقًا بشخص آخر، فقد تتكون في الوعي ـ حتى دون قصد ـ صورة كهذه: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبدأ، والمهدي يحقق النهاية.
النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبلّغ، والمهدي يحقق الانتصار النهائي.
النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأتي بالكتاب، والمهدي يعيد الأمة إليه.
النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحمل مشروع القسط، والمهدي يملأ الأرض به.
وكأن مشروع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان شخصيا وسينتقل لشخص آخر وليس مشروع إنساني وأممي!
وأكرر:
هذا لا يعني أن المؤمن بالمهدي يعتقد أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان مقصرًا.
لكنه يدفعنا إلى سؤال عن الأثر البنيوي للعقيدة: إذا كانت أعظم وظائف الخلاص التاريخي مؤجلة إلى شخص آخر، فهل يصبح مشروع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المخيال الديني وكأنه مشروع ينتظر شخصًا لاحقًا حتى يبلغ ذروته؟ وأين يقول القرآن بذلك؟
إن الصورة التي يقدمها القرآن تبدو مختلفة، النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحمل الرسالة، وتتكون حوله جماعة، ويبقى الكتاب، ثم تنتقل مسؤولية العمل والإصلاح والقسط إلى الناس، فالرسول لا يترك وراءه فراغًا ينتظر مخلّصًا، يترك: كتابًا، وميزانًا، وجماعة مسؤولة، وهنا نفهم قوة قوله تعالى:
﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
الرسل حملوا الرسالة، الكتاب نزل، الميزان وُضع، ثم جاء دور: الناس.
ولا يصح القول إن كل مؤمن بالمهدي متواكل، ولا يصح وصف كل أشكال الانتظار بأنها سلبية.
قد يؤمن الإنسان بالمهدي ويعمل ويصلح ويقاوم الظلم، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الفكرة إلى هذا المنطق: العدل الحقيقي سيأتي عندما يظهر الرجل؛ عندها يمكن أن يتغير السؤال من: كيف نقيم القسط؟ إلى: متى سيظهر من يقيم القسط؟
ومن: كيف نصلح واقعنا؟ إلى: هل ظهرت علامات الظهور؟
ومن: لماذا فشلنا؟ إلى: لأن الزمن الموعود لم يأت بعد.
وهنا قد يتحول الانتظار من أمل إلى آلية لنقل المسؤولية من الحاضر إلى المستقبل، وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس: لماذا تأخر المخلّص؟ بل: ماذا فعلنا نحن بالكتاب والميزان اللذين جاء بهما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟
وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به.
ربما نظن أننا نعظم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما نقول: سيأتي في آخر الزمان رجل يعيد دينه، ويجمع أمته، وينصر مشروعه، ويملأ الأرض عدلًا.
لكن ينبغي أن نسأل أنفسنا:
هل يمكن أن تكون هذه الصورة قد أخذت، من حيث لا نشعر، جزءًا من نور المشروع المحمدي ثم نقلته إلى شخصية غيبية مستقبلية؟
النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالكتاب، فلماذا ننتظر من يعيدنا إليه؟
جاء بالميزان، فلماذا نجعل تمام إقامته التاريخية معلقًا على شخص غائب، إذا كان القرآن قد حمّل الناس مسؤولية القيام بالقسط؟
جاء بمشروع القسط.
فلماذا نعلق ذروته على زمن رجل آخر دون نص قرآني صريح يؤسس لذلك؟
ربما تكون المشكلة ليست أن المخلّص تأخر، ربما تكون المشكلة أننا نقلنا إليه مسؤولية وضعها القرآن علينا منذ البداية.
إذا فشلنا في إقامة العدل، فلا ينبغي أن يكون سؤالنا الأول: متى يظهر المهدي؟ ربما ينبغي أن نسأل: لماذا لم نقم نحن بالقسط؟
وإذا ابتعدنا عن الرسالة، فربما لا يكون الحل الأول انتظار رجل يعيدها، بل أن نسأل: ماذا فعلنا نحن بالكتاب الذي بين أيدينا؟
فالقرآن لم يقل: لينتظر الناس رجلًا يقيم لهم القسط، قال: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، وهذا فرق جوهري.
فالناس ليسوا جمهورًا ينتظر نهاية القصة؛ الناس جزء من مسؤوليتها.
والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدمه القرآن بوصفه بداية ناقصة تنتظر شخصًا آخر ليمنحها نورها الأخير، بل قال الله عنه:
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
لذلك، قبل أن نبحث عن نور الخلاص في شخصية غائبة، ينبغي أن نسأل:
هل عرفنا أصلًا قدر السراج الذي أضاءه الله لنا؟
فلا نُضعف نور الرسالة في الحاضر…ثم نبحث عن تمام نورها في رجل غائب.


اترك تعليقاً