قلم: مريم علي
«الجسد ليس بديلًا عن العقل في معرفة الحقيقة؛ لكنه بوابة للعودة إلى الحاضر، بينما يساعدك التوثيق على فصل الوقائع عن التفسيرات.»
في بعض أنماط التلاعب النفسي، وخصوصًا ما يُعرف بـ Gaslighting، لا يبدأ الإرباك بمحاولة تغيير ما تفكر فيه فقط، بل قد يمتد إلى علاقتك بما حدث فعلًا.
تُعاد صياغة المواقف، ويُشكَّك في ذاكرتك، أو تُفسَّر مشاعرك ضدك، حتى تجد نفسك عالقًا في أسئلة متكررة: هل فهمت الموقف خطأ؟ هل بالغت؟ هل ما أشعر به حقيقي؟ هل أتذكر ما حدث كما وقع؟
ومع الوقت، قد يتحول العقل من أداة لفهم الواقع إلى مساحة للاجترار.
استعادة الذات هنا لا تعني أن تثق بكل إحساس بوصفه حقيقة، ولا أن تجعل الجسد جهازًا لكشف نوايا الآخرين، بل أن تعود إلى ثلاثة أشياء: الحاضر، والوقائع، وما تستطيع فعله الآن.
1. مصيدة الرأس: عندما يتحول التفكير إلى استنزاف
بعد تجارب التلاعب أو التشكيك المتكرر، قد يجد الإنسان نفسه يحاول الوصول إلى تفسير نهائي لكل كلمة وتصرف؛ يعيد قراءة الرسائل، ويسترجع الحوارات، ويحلل نبرة الصوت، ويبحث عن التناقضات، حتى يصبح السؤال:
«ماذا كان يقصد؟»
أكثر حضورًا من:
«ماذا حدث فعلًا؟»
وهنا يبدأ الفرق بين الواقعة وتفسيرها بالاختفاء.
عدم الرد على رسالة، مثلًا، واقعة يمكن ملاحظتها، أما القول إن الهدف منها كان العقاب أو السيطرة، فهو تفسير قد يكون صحيحًا وقد لا يكون، ويحتاج إلى سياق وأدلة.
ومن الأساليب التي قد تظهر في بعض أنماط التلاعب: كثرة التفسيرات والتناقضات التي تدفع إلى التحليل المستمر، والتشكيك المتكرر في الذاكرة، وتقديم تفسير واحد للواقعة وكأنه الحقيقة الوحيدة، أو استخدام مشاعرك ضدك بدل التعامل معها كإشارة تستحق الفهم.
المطلوب ليس أن تصدق كل ما تشعر به، بل أن تتوقف عن إهماله، وألا تحوّله في الوقت نفسه إلى حكم نهائي.
2. الجسد كمرساة للحاضر، لا كجهاز لكشف الحقيقة
الجسد لا يخبرك دائمًا بما يحدث خارجك، لكنه يخبرك بما يحدث داخلك.
قد يظهر التوتر في صورة انقباض في المعدة، أو تسارع في ضربات القلب، أو شد في الكتفين، أو اضطراب في التنفس. هذه الإشارات لا تثبت أن شخصًا آخر يكذب أو يتلاعب بك، لكنها تخبرك بأن جهازك العصبي يعيش حالة من التوتر أو التأهب؛ وهنا تكمن قيمة الوعي الجسدي، بدل أن تسأل:
«هل إحساسي يثبت أن الطرف الآخر سيئ؟»
اسأل:
«ماذا يحدث في جسدي الآن؟ وما الذي أحتاج إليه حتى أستعيد اتزاني؟»
بهذا تنتقل من محاولة قراءة الآخر إلى استعادة علاقتك بنفسك.
3. ما أعرفه — ما أشعر به — ما أستنتجه
من أنفع الأدوات بعد تجارب التشكيك النفسي أن تفصل بين ثلاث طبقات:
ما أعرفه.
ما أشعر به.
ما أستنتجه.
مثلًا:
ما أعرفه: وصلتني رسالة في وقت محدد، وتضمنت عبارة معينة.
ما أشعر به: شعرت بالخوف أو الغضب أو الارتباك بعد قراءتها.
ما أستنتجه: أعتقد أن الهدف منها كان الضغط عليّ.
قد يكون الاستنتاج صحيحًا، لكنه يظل استنتاجًا لا واقعة مثبتة في ذاته.
هذا الفصل يحميك من طرفين متعاكسين: أن تنكر شعورك بالكامل، أو أن تحوّل كل شعور إلى دليل قاطع.
4. من الرأس إلى السجل: التوثيق يخفف عبء الذاكرة
إذا كانت هناك وقائع متكررة، أو نزاع، أو تهديد، أو تعامل رسمي، فلا تجعل ذاكرتك المكان الوحيد الذي يحتفظ بكل التفاصيل.
دوّن التاريخ والوقت، وما حدث باختصار، وما قيل أو أُرسل قدر الإمكان، وأي مستند مرتبط بالواقعة، والإجراء الذي اتخذته بعدها؛ والقاعدة الأهم:
وثّق الوقائع، لا الرواية فقط.
فالتوثيق لا يعني أن تعيد خوض التجربة كل يوم، بل أن تنقل التفاصيل من رأسك إلى مكان واضح تستطيع الرجوع إليه عند الحاجة، بحيث لا يبقى عقلك مضطرًا إلى تشغيل الحدث مرارًا خوفًا من نسيانه أو التشكيك فيه.
5. الحدود: استعادة الحق في تحديد مساحة الوصول إليك
الحدود لا تعني دائمًا قطع العلاقة.
قد يكون No Contact مناسبًا في بعض الحالات، لكن توجد ظروف لا يمكن فيها إيقاف التواصل تمامًا، مثل وجود أطفال أو التزامات قانونية أو مالية أو مهنية.
عندها يصبح الهدف تقليل الاتصال إلى الضروري، وجعله واضحًا ومحددًا قدر الإمكان.
قد يعني ذلك ألا تدخل في نقاشات لا تنتهي، وألا ترد فورًا على الاستفزاز، وأن تحدد وسيلة واضحة للتواصل، وتبقي الحديث في نطاق الموضوع الضروري، وتنهي الحوار إذا تحول إلى إهانة أو تهديد أو تشويش، وتلجأ إلى القنوات الرسمية عندما يتعلق الأمر بالحقوق والالتزامات.
الحدود ليست محاولة للسيطرة على الطرف الآخر؛ إنها تحديد لما تسمح له بالوصول إليك، وكيف ومتى.
6. العودة إلى الحواس
بعد ساعات من إعادة محادثة قديمة داخل الرأس، يحتاج الانتباه أحيانًا إلى شيء بسيط يعيده إلى اللحظة الحالية.
امشِ وأنت تلاحظ خطواتك، انتبه إلى الأصوات من حولك، لاحظ ملمس شيء تمسكه، راقب حركة تنفسك، أو انشغل بمهمة يدوية واضحة.
ليست هذه الممارسات علاجًا سحريًا، لكنها تساعدك على الانتقال من إعادة عيش الحوار إلى ملاحظة اللحظة الموجودة فعلًا:
«أنا هنا الآن، ولست داخل الحوار القديم.»
وقد تساعد العودة إلى روتين يومي بسيط — النوم، والطعام، والحركة، والعناية بالمساحة الشخصية — على إعادة اليوم إلى شكل يمكن العيش داخله بدل أن يتحول كله إلى امتداد للصراع.
الخلاصة: لا تحتاج إلى الفوز داخل رأس المتلاعب
التعافي لا يتطلب أن يعترف الطرف الآخر بالحقيقة، ولا أن تنجح في تفسير كل كلمة أو نية. وقد لا تحصل على اعتراف أو تفسير نهائي أصلًا.
الاسترداد يبدأ حين لا يعود تفسير الآخر لتجربتك هو المرجع الوحيد لفهمها.
ارجع إلى الوقائع، استمع إلى مشاعرك من غير أن تجعلها حكمًا مطلقًا، ووثّق ما يحتاج إلى توثيق، ثم ضع حدودك حيث تستطيع.
وفي النهاية، بدل الدوران حول سؤال: «ماذا كان يقصد؟» عد إلى ثلاثة أسئلة:
ماذا حدث فعلًا؟
ماذا أشعر الآن؟
وما الخطوة الواقعية التي أستطيع اتخاذها؟
أحيانًا،تبدأ استعادة النفس من هنا.


اترك تعليقاً