فكرة | إلهام | حكاية

فخ الانتظار | كيف منحت أسطورة “المخلص” السلطة المطلقة للفرد النرجسي؟

قلم : مريم علي

في كواليس التاريخ القديم، أدرك المستفيدون من السلطة والنفوذ حقيقة سيكولوجية خطيرة وهي : “أفضل طريقة للسيطرة على مجتمع غاضب ليست مواجهته، بل تخديره بأمل مؤجل” ؛

هكذا تم استنساخ فكرة “المخلص المنتظر” من الحضارات السابقة، وتطعيم الوعي الجمعي بها ، المهدي أو المخلص الغائب لم تكن في جذورها فكرة دينية خالصة ، بل كانت حيلة اجتماعية وتاريخية لتجميد غضب المجتمعات ، ومع مرور الزمن تحولت هذه الحيلة إلى “عقيدة مقدسة “

لكن الكارثة الحقيقية لم تكن في الغائب نفسه، بل في “الفرد النرجسي” الحاضر، الذي وجد في هذا الغياب مسرحاً مثالياً للعب دور الإله على الأرض، مستغلاً شلل المجتمع الذي يجلس في صالة الانتظار 

و إذا عدنا إلى القرآن الكريم سنجد غياباً تاماً لفكرة تسليم مصير البشرية لـ “فرد واحد” يظهر في آخر الزمان ؛ القرآن يحارب فكرة المركزية الفردية التي يتغذى هؤلاء المتكسبون، ويستخدم دائماً لغة الجمع والجماعة، مانحاً الوكالة للمجتمع ككل 

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]

﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]

الوارثون هم المجتمع نفسه ، تحويل هذه “الجماعة” إلى “شخص واحد غائب” كان أكبر عملية تزييف تاريخي و سطو فكري ، هدفها سحب القوة من الجماهير وتهيئة المسرح لظهور أفراد مدّعين يحتكرون الحقيقة والموارد  

ما هي أسوأ نتيجة لتلك الفكرة التاريخية؟ إنها خلقت مجتمعات تتبنى “الانتظار السلبي”، مما يوفر بيئة مثالية لازدهار الفرد الفاسد والمدّعي ، عندما يعتقد المجتمع أن العدالة لن تتحقق إلا بمعجزة، فإنه يعفي نفسه من المواجهة 

القرآن يرفض هذا التخدير ويأمر بالتحرك 

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ…﴾ [النحل: 90] 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

المدعي والمستغل يتجاهل هذه الآيات، لأنه يعشق المجتمعات المنتظرة ، فبينما يجلس الناس لمراقبة انهيار واقعهم ظناً منهم أنها “علامات للفرج”، يقوم الفرد الانتهازي بتوسيع نفوذه ونهب الموارد، وتمرير فساده بصمت، لأن لا أحد يحاسبه.. فالجميع مشغول بالنظر إلى السماء

دعونا نسقط الأقنعة ونسمي الأشياء بمسمياتها ؛ عندما طال غياب هذا “المخلص الوهمي” 

ظهرت الحاجة لملء الفراغ ، هنا تجلت النرجسية التاريخية في أبشع صورها باختراع فكرة “النائب” عن المخلص (وهي الفكرة التي تطورت لتنتج سلطة المرجعيات المطلقة وولاية الفقيه) 

هذا الكيان لم ينشأ كحاجة روحية، بل كأداة لاحتكار القرار وسلب مقدرات الناس عبر مسارين 

احتكار الثروة (سلب الأموال): 

باسم المخلص الغائب، أسس الأفراد والنخب الدينية نظاماً موازياً لجباية الأموال (مثل الخمس) ؛ هذا ليس تبرعاً طوعياً، بل هو استلاب منظم وجمع للأموال بلا أي شفافية أو محاسبة، بحجة “حفظها لحين ظهوره” ، هكذا تضخمت جيوب أفراد على حساب شعوب بأكملها 

سلب العقول واحتكار الحقيقة: 

المدعي لا يقبل النقد وبادعائه أنه مخلص أو تمثيل هذا المخلص، حصّن نفسه من أي محاسبة ؛ من يعترض على سياساته أو قراراته، لا يُعتبر معارضاً لرأي بشري بل متمرداً على أمر إلهي ؛ هكذا تحولت حيلة سحب الأموال إلى عقيدة تُخرس العقول 

لتفهم عمق الخديعة، انظر كيف يستخدم الفرد الفاسد هذه العقيدة التاريخية كأدوات سيطرة يومية 

استثمار المعاناة : المدعي يقنعك بأن الفقر والفساد من حولك ليسا دليلاً على فشله أو استغلاله لك، بل هما “علامات مقدسة” تسبق الظهور هكذا يحول جريمته بحقك إلى بشارة إيمانية!

خصخصة الإرادة: بسحب وكالة التغيير المادية من يدك ووضعها في يد غيبية، يضمن الفرد المتسلط أنك لن تواجهه أبداً، لأنك سلمت أوراقك لجهة غير موجودة، وبايعته على أمر غيبي ومجهول لتغيب أنت ويبقى هو يلعب في الميدان 

عقد الوكالة الأبدي: بقاء المخلص غائباً هو الضمانة الوحيدة لبقاء هؤلاء الأفراد (الوكلاء) في مواقعهم، يديرون الأموال والأرواح، ويستمتعون بسلطة مطلقة لا تنتهي صلاحيتها 

وهذه الفكرة تطورت لاحقاً من النيابة إلى ادعاء فكرة المخلص نفسه وارتداء هذا الثوب وممارسة نفس الألاعيب التي يمارسونها هؤلاء من تسلط وسلب الأموال بطرق متعددة وادعاء الغيب والعلم وخلق الطبقية والتصنيفات بين الناس تحت مسمى إصلاح !!

الرسالة هنا ليست دعوة لصدام سياسي، بل هي دعوة لتحرير الوعي من سطوة الدجالين المدعين الذين اختطفوا الدين والتاريخ ، فكرة المخلص المنتظر صُممت قديماً لتجريدك من فاعليتك، وتمكين أفراد مستغلين من العبث بحياتك وأموالك باسم القداسة وتجري اليوم عليك من الدجاجلة حتى ينهبوا أموالك وإرادتك وتسلم لهم مفاتيح بصيرتك لتبقى متجردا عما يميزك كإنسان – من عقلك – 

لا تنتظر أحداً من السماء لينقذك ، لأن القرآن لم يعدك بشخص، بل حمّلك أنت والمجتمع مسؤولية التغيير ، الله جعل “الجماعة” هي الوارثة للأرض، أما انتظار فرد واحد غائب، فهو مجرد فخ تاريخي صممه أفراد متكسبون ، ليظلوا هم في القمة، وتظل أنت أسير الوهم والانتظار 

كلن يبدأ بنفسه حتى ينهض المجتمع ويلفظ هذه الفكرة التي جعلت الناس كسالى 

كل من يدعي أنه نائب لمخلص أو مخلص أو وزير للمخلص هم يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً  . 

3 ردود على “فخ الانتظار | كيف منحت أسطورة “المخلص” السلطة المطلقة للفرد النرجسي؟”

  1. الصورة الرمزية لـ ايسر
    ايسر

    السلام عليكم هل افهم من هذه الكتابة انو لا يوجد أمام اسمه المهدي ع يعني لم يولد بعد أم ولد ولا كن لا يظهر بهذه الطريقة المتتعارف عليها هل ماذا ما تقصدين
    ارجو التوضيح

    1. الصورة الرمزية لـ NoqtatBAA

      النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم هو المهدي والمخلص الموعود

      1. الصورة الرمزية لـ ايسر
        ايسر

        لا يوجد مخلص لا النبي محمد صل الله عليه وآله
        ولا غيره إنما أئمة يهدون يأمرنا
        وهم عباد مؤيدون من الله والنبي ص واله الأمة ع
        يقومون بهداية الناس إلى الدين الحق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *