فكرة | إلهام | حكاية

النفس في القرآن | أقرب عالَم إليك وأخطره

قلم: مريم علي

هل لاحظتم أن القرآن، حين يتحدث عن قضايا كبرى تمسّ مصير الإنسان، يعيدنا مراراً إلى كلمة واحدة: النفس؟

حين يتحدث عن الفلاح والخيبة، يذكر النفس.

وحين يتحدث عن الكذب والتسويل، يذكر النفس.

وحين يروي أول جريمة قتل، يذكر النفس.

وحين يتحدث عن تغيير أحوال المجتمعات، يربط ذلك بما في النفوس.

هذا التكرار، مع تنوّع هذه المواطن وخطورة القضايا المرتبطة بها، ليس تفصيلاً لغوياً عابراً؛ بل أمر ينبغي أن يستوقف العقل، ويفتح فيه أبواب الفضول والسؤال:

ما هذه النفس؟

كيف تعمل؟

كيف ترى الواقع؟

وكيف يمكن أن تقود الإنسان إلى الفلاح، أو تسوقه إلى الخسارة من حيث لا يشعر؟

ولا بد من الدقة هنا: لفظ «النفس» في القرآن لا يأتي دائماً بمعنى الحالة النفسية في اصطلاح علم النفس الحديث؛ فقد يأتي بمعنى ذات الإنسان وشخصه كله. لكن ارتباطه المتكرر بالنية، والهوى، والاختيار، والتزكية، والتسويل، والمحاسبة، يجعل معرفة طبيعة النفس البشرية باباً عظيماً لفهم الإنسان.

يقول الله تعالى:

﴿ بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ۝ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾

[القيامة: 14-15]

الإنسان قد يخدع الآخرين، وقد يرتب أعذاره بعناية، وقد يصنع روايةً كاملة تبرر له ما فعل؛ لكن يبقى في أعماقه شاهد يعرف موضع الحقيقة.

والمشكلة ليست دائماً أننا نجهل أنفسنا، بل إننا أحياناً نعرف الحقيقة ثم نهرب منها إلى التبرير. نعرف أن الذي يحركنا حسد، فنسميه نقداً. ونعرف أن الذي يدفعنا انتقام، فنسميه دفاعاً عن الكرامة. ونعرف أننا نخاف المحاولة، فنسمي خوفنا انتظاراً للوقت المناسب.

لهذا كان أول ميادين العمل الحقيقي هو الداخل: أن ترى ما يتحرك فيك قبل أن تكسوه بالكلمات الجميلة.

ويقول سبحانه:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[الشمس: 7-10]

النفس إذن ليست شيئاً بسيطاً. إنها تحمل قابلية الطريقين، والفلاح ليس في اتباع كل ما يصدر منها، ولا في كراهيتها وتحطيمها، بل في تزكيتها وتربيتها.

أن تفهم نفسك لا يعني أن تقدّس رغباتها، بل أن تعرفها حتى لا تقودك وهي مختبئة.

فالنفس هي أقرب عالَم إلى الإنسان، ومع ذلك قد تكون أكثر العوالم غموضاً عليه؛ لأنه ينظر من خلالها، ولذلك يصعب عليه أن ينظر إليها.

ومن أخطر ما تسلل إلى وعينا عبر بعض العادات الاجتماعية الموروثة — لا عبر مقصد الوحي — أننا أصبحنا بارعين في مراقبة الآخرين، ضعفاء في مراقبة أنفسنا.

ماذا يفعل فلان؟

ماذا يملك؟

كيف أخطأ؟

ولماذا نجح؟

ومن مدحه؟

ومن فضّله عليّ؟

حتى صار بعض الناس يعرف تفاصيل حياة الآخرين أكثر مما يعرف دوافعه وعاداته ونقاط ضعفه.

وهذا الانشغال الدائم بالناس يوقظ في النفس مشاعر قد تكون شديدة الخطورة: المقارنة، والحسد، والحقد، والشماتة، وسوء الظن، والعياذ بالله.

ومن المفارقات أن الإنسان قد يبصر عيوب الناس بوضوح شديد، لكنه حين يصل إلى نفسه يبدأ الضباب، وتبدأ الأعذار.

نحن في امتحان الحياة كالطلاب؛ لكل إنسان ورقته وأمانته ووقته. والانشغال بورقة الآخر لن يضيف إلى ورقتك جواباً، بل قد يسرق منك الوقت حتى ينتهي الامتحان وأنت تعرف ماذا كتب الجميع، إلا ما كان ينبغي أن تكتبه أنت.

لكن النظر إلى ورقتك أولاً لا يعني أن تنعزل عن الناس، أو تصمت عن الظلم، أو تترك النصيحة والعدل. المقصود ألا تجعل مراقبة الآخرين بديلاً عن إصلاح نفسك، وألا تستخدم أخطاءهم مهرباً من مسؤوليتك.

ويقول الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام:

﴿ وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴾

[يوسف: 18]

تأملوا كلمة: «سوّلت».

النفس لا تقول للإنسان دائماً: افعل الشر لأنه شر. لو ظهر الشر بصورته العارية قد يرفضه الإنسان. لكنها تزيّنه، وتعيد صياغته، وتمنحه اسماً مقبولاً، ثم تبني حوله قصةً تجعل صاحبه يشعر أنه محق.

إخوة يوسف لم يقدموا فعلتهم كما هي، بل صنعوا مشهداً، وجاءوا عشاءً يبكون، وأحضروا قميصاً عليه دم. كان هناك فعل، ثم رواية، ثم دليل مصطنع يراد له أن يسيطر على إدراك المتلقي.

وفي قصة ابني آدم يقول الله:

﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾

[المائدة: 30]

اللفظ هنا: «فطوّعت»؛ أي سهّلت وزيّنت وشجّعت، حتى أصبح الفعل الذي كان ينبغي أن يكون ثقيلاً على الفطرة قابلاً للتنفيذ.

وكأن النفس تسوّل الفكرة أولاً، ثم تطوّع الفعل لها.

قبل أن تقع الجريمة في اليد، تكون هناك قصة جرى إعدادها في الداخل: حسد يتكرر، وغضب يُغذّى، وصوت للضمير يُسكَت، وخصم تُنزَع عنه إنسانيته، حتى يصبح القبيح سهلاً.

وهذا لا يحدث في جرائم القتل وحدها. يحدث حين نكرر الغيبة حتى نسميها فضفضة، ونكرر التحكم حتى نسميه حباً، ونكرر القسوة حتى نسميها صراحة، ونكرر الخداع حتى نسميه ذكاء.

ومن هنا نفهم لماذا تعد معرفة طبيعة النفس البشرية وطريقة تفاعلها مع العالم الخارجي مفتاحاً لأشياء كثيرة، خيّرة أو شريرة.

فالإنسان لا يستقبل الواقع كما هو بصورة محايدة تماماً؛ بل يستقبله عبر ذاكرته، ومخاوفه، وتوقعاته، وخبراته السابقة، وحاجته إلى القبول والانتماء. ثم يمنح الحدث معنى، ويتصرف بناءً على هذا المعنى.

وهنا يدخل المخادع.

المخادع لا يحتاج دائماً إلى قدرة خارقة. قد يكفيه أن يعرف أنماط النفس: متى تخاف، وما الذي يمنحها الشعور بالأمان، وكيف تتأثر بالتكرار، وكيف تبحث عن الانتماء، وكيف يمكن للجماعة أن تضغط على الفرد، وكيف يتعب العقل فيتعلق بأقرب جواب جاهز.

ثم يوظف هذه المعرفة للاستحواذ على الانتباه، وتضييق مساحة السؤال، وصناعة التبعية.

وقد يراه أتباعه شخصاً خارقاً يقرأ ما في صدورهم، مع أنه لا يقرأ الغيب؛ وإنما قرأ أنماطاً بشرية تتكرر، ثم عرف كيف يخاطبها ويستثمرها.

وهذا لا يعني إنكار السحر الذي ورد به الشرع، ولكن يعني أن كثيراً مما يفسره الناس بسرعة على أنه سحر أو قدرة خارقة قد يكون في حقيقته تلاعباً نفسياً واجتماعياً شديد التنظيم.

المخادع يعرف حاجتك، ثم يقدم نفسه بوصفه الطريق الوحيد لإشباعها. يعرف خوفك، ثم يضخمه قبل أن يبيعك الأمان. يعرف رغبتك في الانتماء، ثم يجعلك تخاف من الخروج عن جماعته. وكلما ضعفت قدرتك على مراقبة نفسك، ازدادت قدرته على قيادتك من مواضع لا تراها.

لكن معرفة النفس ليست شراً في ذاتها.

على الجانب الخيّر يوجد المربي، والمعالج، والمصلح، والمعلم، وصاحب الرسالة الصادقة؛ يعرف طبيعة الإنسان، ولكنه يستخدم معرفته ليعيد إليه وعيه وحريته ومسؤوليته، لا ليسلبها منه.

يعرف أثر الكلمة فيختار الكلمة الرحيمة.

ويعرف حاجة الإنسان إلى الانتماء، فيبني مجتمعاً يقوم على التواد والتراحم.

ويفهم أثر الخوف، فلا يستثمره لإخضاع الناس، بل يساعدهم على التعامل معه.

ويفهم الاختلاف، فيصنع جسوراً تمنع العداوة وسوء الظن.

فالفرق بين المصلح والمخادع ليس في مقدار معرفتهما بالنفس فقط، بل في أخلاق استخدام هذه المعرفة.

المخادع يجعلك أكثر اعتماداً عليه، أما المصلح فيجعلك أكثر وعياً ومسؤولية. المخادع يخاف من أسئلتك، أما الصادق فلا يبني مكانته على تعطيل عقلك. المخادع يعزلك عمّن قد يكشف خداعه، أما المصلح فلا يجعل نجاتك معلقةً بشخصه.

وهنا معيار مهم: ليس كل مؤثر مخادعاً، وليست قوة التأثير دليلاً على الشر. السؤال هو: هل يزيد هذا التأثير وعي الإنسان وحريته الأخلاقية، أم يصنع فيه الخوف والتبعية والعزلة؟

وحين نقول إن في النفس «أرضاً للحسد»، فنحن نستخدم استعارة، لا نتحدث عن بقعة تشريحية اسمها الحسد.

في الإنسان دماغ وجهاز عصبي وكيمياء جسدية، تتفاعل جميعها مع الذاكرة والتجارب والبيئة والعلاقات. ومع التكرار تتقوى بعض المسارات والاستجابات، فيصبح الإنسان أسرع إلى تفسير المواقف من الزاوية التي اعتادها.

من عاش طويلاً في بيئة لا تمنحه الأمان قد يقرأ الغموض تهديداً. ومن رُبطت قيمته دائماً بالتفوق على الآخرين قد يشعر أن نجاح غيره ينتقص منه. ومن اعتاد المقارنة قد تتحول حياة الناس في عينه إلى محكمة دائمة لقيمته.

لكن هذه المسارات ليست قدراً مغلقاً. الدماغ يتأثر بالتجربة، ويمكن أن تتغير استجاباته بالتعلم، والوعي، والعبادة، والصحبة الصالحة، والخبرات الجديدة، والعلاج المتخصص عند الحاجة.

والتفسير العصبي للسلوك لا يلغي المسؤولية الأخلاقية، كما أن المسؤولية الأخلاقية لا تعني إنكار أثر الدماغ والجسد والتجارب.

نحن نتأثر، لكننا لسنا مجرد آلات. ولدينا قدرة — بقدر ما منحنا الله — على المراجعة والتعلم وطلب المساعدة وتغيير الاستجابة.

ولهذا يقول الله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[الرعد: 11]

هذه الآية ليست قانون جذب، ولا وعداً بأن أفكارك تتحكم في كل ما يقع لك. والآية في سياقها تحمل أيضاً تحذيراً من أن يغيّر الناس ما بأنفسهم إلى الظلم والفساد فتتغير أحوالهم.

لكنها تؤسس لحقيقة عظيمة: لا يمكن فصل الواقع الأخلاقي والاجتماعي عن القيم والإرادات والأعمال التي تتحرك داخل الناس.

ولاحظوا أن الآية قالت: «بقوم».

فالتغيير ليس فردياً دائماً. ما في النفوس قد يتحول إلى ثقافة جماعية: ما الذي نكافئه؟ ما الذي نسكت عنه؟ ماذا نسمي نجاحاً؟ ومن نمنحه المكانة؟ وحين تتغير هذه المعايير تتغير القرارات، ثم تتراكم القرارات حتى تصبح واقعاً.

ومع ذلك، لا يعني البدء من النفس أن الإنسان مسؤول عن كل مصيبة تقع له. المظلوم ليس مسؤولاً عن ظلم ظالمه، والمريض ليس متهماً، والابتلاء ليس دليلاً على فساد الداخل.

أنت لا تملك العالم كله، لكنك مسؤول عن المساحة التي ائتمنك الله عليها: نيتك، وقرارك، واستجابتك، وسعيك، وما تفعله بما عرفت.

ويقول الله:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾

[الحشر: 18]

لم يقل: ولتنظر نفس ماذا قدّم الآخرون. بل ماذا قدّمت هي.

ثم تأتي بعدها مباشرةً آية مدهشة:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾

[الحشر: 19]

يمكن للإنسان أن ينشغل بنفسه طوال اليوم، ويتحدث عن مشاعره ورغباته وصورته، ومع ذلك يكون ناسياً لنفسه؛ لأنه نسي خالقها، وغايتها، وأمانتها، وإلى من ترجع.

معرفة النفس لا تكتمل بالنظر إلى الداخل وحده، بل بمعرفة موقع هذا الداخل من الله والحق والناس.

ولذلك، قبل أن تسأل دائماً: ماذا يفعل فلان؟ اسأل: ماذا صنع خبر فلان في نفسي؟

قبل أن تنشغل بنجاحه، راقب المعنى الذي أعطيته لنجاحه.

وقبل أن تحاكم خطأه، اسأل هل اتخذت خطأه ستاراً يريحني من رؤية خطئي؟

وقبل أن تقول إن شخصاً استحوذ عليك بقوة خارقة، اسأل: أي حاجة أو خوف أو فراغ دخل منه؟

معرفة هذه الأساسيات لن تمنحنا جواباً سحرياً عن كل شيء، لكنها ستمنحنا أدوات لفهم أسئلة كثيرة حيّرتنا:

لماذا نكرر السلوك نفسه؟

لماذا نتعلق بأشخاص يؤذوننا؟

لماذا نغضب من نجاح الآخرين؟

لماذا نصدق أحياناً ما يوافق رغبتنا ولو كان ضعيف الدليل؟

وكيف يمكن لكلمة أو جماعة أو تجربة متكررة أن تعيد تشكيل نظرتنا إلى أنفسنا والعالم؟

النفس هي أقرب عالَم إليك، لكنها ليست كل العالَم. وهي بداية العمل، لا نهايته.

راقبها تحت نظر الله، لا تحت سوط الكراهية. حاسبها لتعيدها إلى الطريق، لا لتكسرها. وافهمها حتى تحميها من المخادع، ثم استخدم هذه المعرفة في الخير: في الرحمة، والتربية، والإصلاح، وبناء العلاقات التي تحفظ للإنسان وعيه وكرامته.

ابدأ من ورقتك؛ فما زال في وقت الامتحان متسع لجواب صادق.

وقد لا تملك أن تغيّر كل ما حولك الآن، لكنك تملك ألا تترك ما فيك بلا نظر.

ومن صدق النظر تبدأ الخطوة، ومن تكرار الخطوة يتكوّن الطريق. 

ردان على “النفس في القرآن | أقرب عالَم إليك وأخطره”

  1. الصورة الرمزية لـ وائل
    وائل

    شكرا جزيلا وجزاك الله خيرا

  2. الصورة الرمزية لـ Soha
    Soha

    فتح الله عليكي وبارك الله فيكي نحتاج للنظر خلف دوافعنا للتزكيه ولكن ماهي الخطوه التي تمكننا من المراقبه بدون ادانة الذات (ومع ذلك، لا يعني البدء من النفس أن الإنسان مسؤول عن كل مصيبة تقع له. المظلوم ليس مسؤولاً عن ظلم ظالمه، والمريض ليس متهماً، والابتلاء ليس دليلاً على فساد الداخل.)هذه العباره استوقفتني لي فتره أراقب الداخل من الانعكاس الخارجي حسب قانون الانعكاس الذي اعتقدت انه من سنن الخالق ،،،، هل تعتقدي الاستمرار في هذا الاعتقاد فيه ظلم للنفس؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *