فكرة | إلهام | حكاية

سيكولوجية القطيع المُختطَف | هندسة لصوص الوعي لصناعة الأتباع

قلم: مريم علي

في كل عصر وزمان، يعيد المتسلطون النرجسيون و”مهندسو الاستحواذ” إنتاج مأساة إنسانية مروعة؛الاستيلاء الممنهج على عقول “جموع مغيبة”، ودفعها طواعية لإلغاء تفكيرها المستقل. 

هذه الجموع لا تستمع لتفهم، بل تستمع لتقضي، وتحكم لتعتدي، دون أن تملك الحد الأدنى من المعرفة بصلب الحقيقة.

في التحليل الهيكلي للسلطة، هذه الجموع ليست سوى “قطيع مُختطَف”؛ ضحايا جردهم طغاة ومنافقون من وعيهم ليُعيدوا تدويرهم كـ “أسلحة حية”. 

ولأن قادة هذا القطيع يعانون من إفلاس وجودي حاد، ويفتقرون إلى أي إنجاز علمي أو واقعي، فإنهم يغطون على عجزهم عبر التجييش؛ إنهم لا يبنون أتباعهم على منطق أو دليل، بل يزرعون فيهم عقيدة “الاستنفار الأعمى” لهدم كل إنسان حر يجرؤ على تعرية زيفهم أو هز أصنامهم.

لماذا يتنازل القطيع عن عقله؟ 

قبل أن ندين المتسلط، يجب أن نفهم لماذا ينجح في عمله؟

 الحقيقة الموجعة هي أن التفكير المستقل عبء ثقيل، والحرية تتطلب مسؤولية وشجاعة للوقوف وحيداً. 

لذلك، تختار الجموع طريقاً أسهل؛ الهروب إلى “دفء القطيع”، مهندسو الاستحواذ يدركون هذا الضعف البشري؛ فيقدمون للجموع بديلاً زائفاً عن التفكير، وهو “الانتماء”. 

يمنحونهم هوية مشتركة قائمة على كراهية طرف آخر، ويوهمونهم بأنهم “حراس الفضيلة”، هكذا يعطل الفرد عقله براحة تامة، لأنه يعتقد أن ذوبانه في الأغلبية يعفيه من المسؤولية الأخلاقية عن الجرائم التي يرتكبها القطيع.

و حين ينهار مهندس الاستحواذ أمام حجة العقل، فإنه يلجأ فوراً إلى “الشخصنة” والنبش في الماضي؛ هذا هو مخرجه الاستراتيجي الأخير؛ يتسلق على أخطاء الضحية القديمة، أو سماتها، ليتخذ منها سلاحاً لإلغاء كلمتها.

هذه الحيلة النفسية (ابتزاز العار) تتجلى بوضوح في مواجهة طغاة مصر لموسى عليه السلام، فعندما جاءهم بالحجة الساطعة، لجأ فرعون فوراً إلى الماضي، وعايره بقتل النفس ليحطمه أمام الجموع: 

﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (الشعراء: 18-19)

كيف نرد على هذا الابتزاز؟ هنا يقدم لنا موسى عليه السلام درساً تشريحياً في “المناعة النفسية والرد الواعي”

المتسلط (فرعون) كان ينتظر من موسى أن يرتبك، أو ينكر، أو يقع في فخ التبرير الدفاعي المنهك الذي يشتت القضية؛ لكن موسى أجهض هذه الخطة الماكرة بضربة استباقية حاسمة، حيث امتص الصدمة واعترف بلا مواربة: 

﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (الشعراء: 20).

هذا الرد العظيم ليس مجرد إقرار بالذنب؛ بل هو “تكتيك نفسي واعٍ” (Psychological Deflection) لتجريد المتسلط من سلاحه؛ المبتز يتغذى على خوفك من ماضيك ومحاولتك إخفاءه. 

حين تواجهه بهدوء وتقول: نعم،فعلتهافيالماضي،كنتمخطئاً،وتجاوزتتلكالمرحلة، فإنك تحرق ورقته الرابحة، وتكسر “سجن العار” الذي أراد حبسك فيه.

لقد حصر فرعون الحدث في شكله الظاهري، لكن الفلسفة الإيمانية تعلمنا أن الأخطاء تُقاس بالنية المبطنة؛ النبي موسى لم يقتل بسادية، بل نبع فعله من نية حرة لنصرة المظلوم. 

صلاح النية طوق نجاة للإنسان، حتى وإن أنتجت النية نتائج سيئة، لقد واجه موسى ابتزاز فرعون بوعي، ليثبت لنا أن التصالح مع أخطاء الماضي هو الدرع الذي يتحطم عليه تلاعب المنافقين.

و عندما يعجز لصوص الوعي عن فرض العار، ينتقلون إلى “السخرية والاغتيال المعنوي”؛ تهدف هذه الأداة إلى تسخيف الطرح الحقيقي. 

هذا ما فعله سادة قوم نوح عليه السلام؛ فكان كلما مر عليه ملأٌ سخروا منه؛ هذا التجييش الممنهج ليس سلوكاً عفوياً، بل خطة يضعها المتسلطون لغاية واحدة، إطفاء النور ومنع انتشار الوعي:

 ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ…﴾.

اليوم، لم يعد المتسلط يقف في ساحة المدينة ليخطب؛ بل استبدل الساحة بـ “غرف الصدى” (Echo Chambers) على منصات التواصل، وصنع “عجلاً رقمياً” من الخوارزميات لتشويه الواقع (Gaslighting)، وشيطنة المختلفين، وتجييش “القرود الطائرة” لاغتيال الخصوم معنوياً.

وماذا لو استيقظ فرد من داخل هذه الجموع المغيبة المعطلة؟ 

ماذا لو أبصر الحقيقة وحاول تنبيه رفاقه في القطيع؟ هنا تتجلى واحدة من أبشع الاستجابات البشرية؛ إذ لا يستقبل القطيع هذا المنبه بالامتنان، بل يرونه فوراً كـ “عدو خائن”، ويهجمون عليه بشراسة، ويبدأون في التشكيك في نواياه وعقله. 

إنهم يريدون هندسة رحلة غيرهم وفق مزاجهم المريض؛ فإما أن تسير معهم في ذات النفق المظلم وتخضع لنفس الأهواء التي تحركهم، وإما أن تختلف معهم فتُصنف فوراً كشخص “ظلامي” ومارق يجب تدميره.

في التحليل النفسي للجموع، هذا الهجوم العنيف لا ينبع من “قوة” القطيع، بل من رعبه الهيكلي، استيقاظ فرد من بينهم يخلق لديهم ما يُعرف بـ “التنافر المعرفي الحاد” (Cognitive Dissonance)

هذا الفرد المستيقظ يتحول إلى “مرآة حية” تعكس للقطيع حقيقة عبوديتهم، وتنازلهم الرخيص عن عقولهم لصالح المتسلط.

ولأن الاعتراف بالعبودية مؤلم جداً ويكسر الكبرياء المزيف، فإن القطيع يختار الحل الأسهل؛ تحطيم المرآة

إنهم يرمونه بتهمة “الظلامية” في عملية إسقاط نفسي (Psychological Projection) عميقة؛ حيث يسقطون ظلامهم الداخلي وتبعيتهم العمياء عليه، ليحافظوا على وهم أنهم “حراس النور”. 

أي خروج عن أهوائهم يهدد الهيكل الهش لوجودهم، لذلك يستميتون في إجهاض يقظة هذا الفرد قبل أن تفضح سباتهم.

هذا الموقف الإقصائي والألم النفسي هو بالضبط ما كابده هارون عليه السلام؛ لقد شهد القوم انشقاق البحر بأعينهم، لكن بمجرد غياب موسى، استجابوا لتلاعب السامري، وصنعوا عجلاً من ذهب يطوفون حوله!

وعندما كان هارون هو “الفرد المستيقظ” الذي تصدى لوعيهم الزائف وصدع بالحقيقة، لم يكتفِ القطيع المغيب بتجاهله، بل تآمروا عليه واستضعفوه وكادوا يفتكون به، لمجرد أنه تجرأ على تحطيم صنمهم: 

﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف: 150). 

هذه هي “ديمقراطية القطيع” المشوهة؛ الأغلبية قد تطوف حول عجل من ذهب، وتخوّن من يحاول إيقاظها.

إن الشخصنة، والتشويه، وهندسة مسارات الآخرين ليست سوى بصمة العجز الأبدي للقطيع المُختطَف والمنافق المفلس، سواء كانوا في مجالس الفراعنة القديمة، أو في حملات التنمر الرقمية المعاصرة.

لذلك، إذا جاءك أحدهم يوماً، يحمل غلاً، ويسعى لتجييشك ضد إنسان آخر، متسلحاً بعيوبه، أو ماضيه، أو مظهره.. فلا تتعجل

تذكر دائماً أنك في تلك اللحظة مستهدَف لسرقة وعيك؛ أنت لا ترى سوى زاوية واحدة مقتطعة ومصنوعة بعناية لتضليلك؛ هناك أبعاد قُطعت عمداً من المشهد لتسلب إرادتك وتتحول إلى مجرد رقم في حشد غاضب.

لا تكن سيفاً في يد متسلط مهزوم، ولا حطباً في محرقة منافق؛ وإذا أدركت يوماً أنك كنت جزءاً من هذا القطيع الموجه، فاعلم أن الخطوة الأولى لاسترداد سيادتك على ذاتك تبدأ بفض الشراكة معهم فوراً، اسحب اعتذارك عن كل حكم أصدرته بحق غيرك، وتحلَّ بالشجاعة للوقوف وحيداً في مساحة الوعي، تماماً كما فعل هارون حين رفض أن يركع لعجل السامري. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *