قلم: مريم علي
في سلسلة كتاباتي لإثبات أن النبي محمد ﷺ هو المهدي المنتظر أقدم لكم اليوم هذا المقال بهذا المنظور في إعادة للمصطلحات لأصلها دون توظيفها على حسب أهواء المنتفعين الدجاجلة
اختطفت بعض النخب الدينية والطائفية عبر التاريخ المصطلحات القرآنية، وطوعتها لخدمة سلطتها السياسية والمالية؛ ومن أبرز وأخطر هذه الجنايات الفكرية، إقدام الكهنوت الديني على تحريف مصطلح “الغيب” في القرآن، وقيام البعض بإسقاطه على شخصية وهمية أطلقوا عليها اسم “المهدي المنتظر”.
هذا التحريف المتعمد للنص القرآني لم يكتفِ بتشويه العقيدة، بل أسس لمؤسسة احتيال مالي ضخمة، وفتح الباب واسعاً أمام سلسلة من الدجاجلة والمنتفعين الذين ادعوا المهدوية.
إن الله سبحانه وتعالى لا يغيب حججه، والمصلح الحقيقي والمهدي الذي غيّر وجه التاريخ هو النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وما دونه في هذا السياق هو مجرد أساطير صاغتها نخب مهزومة.
عندما نقرأ الآيات القرآنية التي تتحدث عن “الغيب”، مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}، فإن القرآن يضع قاعدة معرفية صارمة؛ الغيب في لغة القرآن هو حصرياً ما استأثر الله بعلمه خارج نطاق الإدراك الحسي البشري المباشر مثل الذات الإلهية، الملائكة، الروح، الجنة، النار، ويوم القيامة.
بعض رجال الدين الذين أرادوا ترسيخ سلطتهم، حرفوا هذا المعنى الواضح وأوهموا الأتباع أن “الغيب” هو إنسان من لحم ودم، يعيش مختبئاً في سرداب أو خفياً عن الأعين لمئات السنين.
هذا الإسقاط هو تلاعب صريح باللغة والدين؛ فالله في القرآن لم يجعل البشر يوماً جزءاً من “الغيب”، بل جعل الرسل والأنبياء والمصلحين “شهداء” على الناس، حاضرين في الميدان، يواجهون الظلم ويصدعون بالحق علانية.
المنطق القرآني يرفض تماماً فكرة القائد السري أو الحجة المخفية، وظيفة المصلحين التي حددها الله هي البلاغ المبين، والمواجهة المباشرة، وتغيير الواقع بقوة الحق.
أرسل الله الأنبياء ليكونوا منارات واضحة، لا ألغازاً غامضة؛ ولو كان هناك شخصية محورية ستبنى عليها نجاة البشرية في آخر الزمان، لذكرها القرآن صراحة باسمها ووصفها، تماماً كما ذكر الله الجنة والنار وتفاصيلهما.
إن الله حينما يبشر بشيء فإنه يجعله معلوماً وبيّناً، ولا يدفنه تحت مصطلحات فضفاضة يستغلها الكهنة، الشيء الغيبي بطبيعته لا يُتخذ كبشارة لشخص محدد مجهول الهوية، فالبشارة الإلهية تتطلب الوضوح التام ليقيم الله بها الحجة على البشر.
ودليل ذلك في البشارات الإلهية أنها “التوثيق العلني” في الكتب السماوية، وليس الإخفاء السري؛ إن المصلح الحقيقي، والمهدي الذي اختاره الله لهداية البشرية، هو النبي محمد ﷺ ، وقد وثّق الله البشارة به واضحة مكتوبة ومعلومة لأهل الكتاب قبل بعثته.
يقول الله تعالى في سورة الأعراف (الآية 157):
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ…}
هذه الآية تنسف فكرة “المخلّص الغامض” ، البشارة الإلهية بشخص النبي لم تكن “غيباً” لا يعرفه أحد، بل كانت معلومة، ومسجلة، ومكتوبة صراحة في التوراة والإنجيل.
هكذا يطرح القرآن البشارات الإلهية؛ كأدلة مادية ملموسة، وحقائق تاريخية قابلة للقياس، وليست أساطير مخفية في علم الغيب يتاجر بها السدنة.
ثم إن الغياب التام لأي بشارة بشخصية مستقبلية قادمة في النص القرآني ليس صدفة، بل هو إعلان حاسم بأن “المنتظر” الذي بشرت به الشرائع السابقة قد وصل بالفعل، وهو النبي ﷺ الذي جاء بالقرآن نفسه.
بمجرد إتمام الرسالة، سحب القرآن مفهوم “الخلاص” من مسار الانتظار للفرد ، ونقله إلى مسار التمكين الجماعي.
لقد تحولت البشارة في القرآن إلى وعود مؤسسية باستخلاف الصالحين ووراثة الأرض بلفظ “الجماعة”، كما في قوله تعالى: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}.
هذا التأسيس يقرر حقيقة قاطعة أن الخلاص اليوم مرهون حصرياً بوعي وعمل “الجماعة الصالحة”، وهم الذين حدد القرآن منهجهم العقلي والعملي بقوله:
{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}.
هذه الجماعة الفاعلة التي تفكر، وتقيّم، وتعمل، هي التطبيق الفعلي والممتد لنهج النبي (المصلح الحقيقي).
إن انتقال المسؤولية من الفرد المنتظر إلى الجماعة العاملة ينسف حاجة الأمة لأي مخلص غيبي، ويعيد سلطة التغيير وقيادة الواقع إلى البشر أنفسهم وفق هدي القرآن.
ولو عدنا للتاريخ قليلاً نجد أنه لم تبتكر النخب الطائفية في العصر العباسي فكرة “المهدي الغائب” لمجرد الترف الفكري، بل واجهت تلك النخب أزمة سياسية خانقة وانقطاعاً في النسل القيادي هدد بانهيار هيكلها المالي والتنظيمي؛ ولتجنب هذا الانهيار، اخترع قادة تلك الحركات شخصية “الغائب”، ونصبوا أنفسهم كـ “نواب” و”وكلاء” حصريين له.
من خلال هذه المؤسسة الوهمية، مارس هؤلاء الوكلاء احتيالاً مالياً مقنناً، حيث استخرجوا الثروات، وجمعوا الضرائب الدينية (مثل الأخماس والزكوات والتبرعات) من الجماهير الكادحة باسم هذا الغائب المزعوم؛ لقد حولوا مصطلح “الغيب” إلى آلية لاحتكار الثروة، وضمان استمرار تدفق الأموال إلى جيوبهم دون حسيب أو رقيب، بحجة أنهم يحفظونها حتى يظهر المخلّص.
إلى جانب الاستخراج المالي، وظفت السلطات الفاسدة والنخب المستفيدة هذه العقيدة كأداة هندسة اجتماعية لشلّ إرادة التغيير.
إن تخدير الشعوب بانتظار “مخلّص غيبي” يعفيهم من مسؤولية الثورة على الظلم أو إصلاح واقعهم بأيديهم، وهو نقيض تام لمفهوم “الجماعة الصالحة” القرآنية المكلّفة بوراثة الأرض.
عندما تقتنع الجماهير أن العدالة لن تتحقق إلا بظهور معجزة غيبية، فإنها تمنح صك براءة مجاني للمستبدين والأنظمة الفاسدة مثل نظام ولاية الفقيه الذي يستخدم هذه العقيدة.
فهي تحيل الغضب الشعبي والمطالبة بالحقوق إلى مستقبل وهمي، مما يضمن بقاء السلطات المهيمنة في مأمن تام من المحاسبة المباشرة.
إن محاولة تطويع كلمة “الغيب” القرآنية لإثبات وجود مهدي وهمي هي تغطية على أكبر عملية احتيال مالي في التاريخ الإسلامي.
المهدي الحقيقي هو النبي الأمي ﷺ الذي واجه العالم وأحدث التغيير، أما إعادة تدوير فكرة المخلص الغائب فهي مجرد أداة لاستمرار استعباد العقول واستنزاف الجيوب، ومصادرة صلاحيات المجتمعات في تقرير مصيرها.


اترك تعليقاً