قلم : مريم علي
امتثالاً لأمر الله تعالى بالتفكر في آياته وتدبر كتابه الكريم، نقف اليوم أمام موضوع بالغ الأهمية لطالما طالته يد التحريف والتأويل ، مسألة “الخمس” و”زكاة المال”.
لقد نشأنا على موروثات دينية رسخت في أذهاننا وجوب دفع الأموال تحت مسميات مختلفة، مع تركيز المذاهب على تفاصيل النسب وغض الطرف عن المسمى القرآني الدقيق ، فهل ما يُدفع اليوم هو “خُمس” أم “زكاة”؟ وما هو الفرق الجوهري بينهما في ميزان القرآن الكريم؟
للوصول إلى الحقيقة المجردة، يجب أن نحتكم إلى الآيات القرآنية التي تناولت هذين المفهومين، ونبدأ أولاً بمفهوم “الخمس” .
أولاً: حقيقة “الخمس” في السياق القرآني
يقول الله تعالى في سورة الأنفال :
﴿وَاعلَموا أَنَّما غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسولِ وَلِذِي القُربى وَاليَتامى وَالمَساكينِ وَابنِ السَّبيلِ إِن كُنتُم آمَنتُم بِاللَّهِ وَما أَنزَلنا عَلى عَبدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَقَى الجَمعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ﴾
بقراءة السياق المباشر لهذه الآية، يتضح جلياً أن “الخمس” مرتبط حصراً بـ الغنائم التي يستولي عليها المسلمون بعد المعارك والحروب الفعلية مع الأعداء.
و ذكر الله عز وجل تخصيص جزء معلوم للنبي محمد (وهو الرسول المُعرّف الذي أُنزل عليه القرآن) ، هذا التخصيص هو تشريف وتكريم لمقامه الرفيع، تماماً كما يُقدّم أفضل الطعام لرب المنزل تقديراً له .
فالخمس نظام اقتصادي استثنائي وُضع لتقسيم الثروات العسكرية المنتزعة من الأعداء في وقت الحروب، ولا علاقة له بالدخل السنوي أو المدخرات الشخصية للمواطنين.
ثانياً: حقيقة “الزكاة” و”الصدقات” (الحق الخالص للمحتاجين)
عندما ننتقل إلى آيات الزكاة والإنفاق من الأموال الخاصة للناس ، نجد أن التوجيه القرآني يختلف تماماً ،
يقول تعالى:
﴿وَالَّذينَ في أَموالِهِم حَقٌّ مَعلومٌ * لِلسّائِلِ وَالمَحرومِ﴾ هنا يقرر الله “حقاً معلوماً” (أي فرضاً واجباً) في الأموال الخاصة، وحدد المستفيدين بوضوح ؛ السائل والمحروم، ولم يذكر للرسول نصيباً فيها.
ويفصل القرآن الفئات المستحقة للصدقات (الزكاة المفروضة) بشكل قاطع:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلفُقَراءِ وَالمَساكينِ وَالعامِلينَ عَلَيها وَالمُؤَلَّفَةِ قُلوبُهُم وَفِي الرِّقابِ وَالغارِمينَ وَفي سَبيلِ اللَّهِ وَابنِ السَّبيلِ فَريضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَليمٌ حَكيمٌ﴾
مرة أخرى، الفريضة واضحة، والفئات محددة، ويغيب ذكر النبي أو الرسول تماماً عن قائمة المستحقين لزكاة أموال الناس.
وتستمر التوجيهات الإلهية بصيغة الأمر المباشر:
﴿وَآتِ ذَا القُربى حَقَّهُ وَالمِسكينَ وَابنَ السَّبيلِ وَلا تُبَذِّر تَبذيرًا﴾
﴿فَآتِ ذَا القُربى حَقَّهُ وَالمِسكينَ وَابنَ السَّبيلِ ذلِكَ خَيرٌ لِلَّذينَ يُريدونَ وَجهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحونَ﴾
وحتى في المحاصيل الزراعية ومصادر الرزق المختلفة، يقول تعالى:
﴿…كُلوا مِن ثَمَرِهِ إِذا أَثمَرَ وَآتوا حَقَّهُ يَومَ حَصادِهِ وَلا تُسرِفوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُسرِفينَ﴾
في كل هذه الآيات، الواجب المالي موجه لسد رمق المحتاجين، ولم يُجعل للأنبياء أي حصة مالية فيه.
ثالثاً: تنزيه الأنبياء عن استخلاص الأجور والمكاسب
إن من أصلح مبادئ تبليغ الرسالات السماوية أن الأنبياء والرسل لم يطلبوا قط أموالاً لقاء رسالتهم. هذا المبدأ ثابت بنص القرآن :
وَيا قَومِ لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ مالًا إِن أَجرِيَ إِلّا عَلَى اللَّهِ
وما أَسأَلُكُم عَلَيهِ مِن أَجرٍ إِن أَجرِيَ إِلّا عَلى رَبِّ العالَمينَ
أَم تَسأَلُهُم أَجرًا فَهُم مِن مَغرَمٍ مُثقَلونَ
قُل لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُربى
لو كان “الخمس” المقتطع من أموال الناس هو نفسه “الزكاة” التي تعود للنبي وسلالته، لكان ذلك بمثابة أجر مادي مباشر على الرسالة ، ولكن الله تعالى نزّه جميع أنبيائه عن ذلك، وأغنى نبيه الكريم عن أخذ أموال الناس تحت أي غطاء ديني.
رابعاً: كشف الاستغلال المالي والمتاجرة بالدين:
إن هذا البيان القرآني الجلي يفضح بشكل مباشر متاجرة بعض الفئات وتلاعبهم المتعمد بالمصطلحات القرآنية لاستخراج الثروات من جيوب العامة، لقد حرفت هذه الفئات المفاهيم فبعضهم فرض “ربع العشر” سنوياً، وبعضهم الآخر—وهم حيتان المال الجائعين—زعموا أن الزكاة هي “الخمس”، وصادروا 20% من أموال الناس ومدخراتهم لتستقر حاضرةً في جيوبهم الخاصة.
هؤلاء المنتفعون يجمعون الثروات الطائلة باسم الدين ويرفضون إعطاء المحتاج الذي يسألهم، بينما يُمولون لأنفسهم ولعائلاتهم حياة البذخ والترف ؛ وقد رأينا كيف يقوم أبناء بعض المراجع بشراء عقارات كاملة وشوارع بأكملها في العواصم الغربية مثل لندن، ويستثمرون مدخرات العوام في الذهب والعقارات الفارهة ، هذه ليست اجتهادات فقهية، بل هي عملية استنزاف مالي منظمة تستغل عاطفة الناس الدينية.
فلا تنخدعوا بالتلاعب اللفظي؛ الخمس ليس هو زكاة المال، والفرق بينهما في كتاب الله شاسع وواضح.
إن أسلم طريقة شرعية وأخلاقية لأداء زكاة مالك وإبراء ذمتك هي أن تُسلمها بيدك مباشرة إلى شخص محتاج فعلاً، أو توكل بها شخصاً تثق بأمانته لإيصالها إلى مستحقيها من الفقراء والمساكين ، إياك أن تسلم أموالك لمن يكنزها في حسابه الشخصي ليشتري بها العقارات والسيارات الفارهة باسم الدين.
إن بعض المتاجرين بالدين، لو قُطع عنهم شريان المال وتوقفت الجباية، لوجدتهم أول من يخلع عباءة الدين ويتجرد منه بالكلية؛ لأن الدين في قاموسهم ليس عقيدة يُضحى من أجلها، بل مجرد أداة للتكسب ومورد لاستنزاف جيوب العوام
هذا تدبر بصير في آيات الله، لا أدعي فيه الفتوى ، ولكنني أبحث عن الحقيقة المجردة؛ فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.


اترك تعليقاً