فكرة | إلهام | حكاية

صناعة التبعية | كيف يسلب المتلاعبون إرادتك تحت غطاء الود الزائف

قلم: مريم علي

لا يغتصبون إرادتك عنوة، بل يقنعونك بتسليمها طواعية عبر ابتسامة مبطنة. 

يستبيحون كيانك وكأنه امتداد لوجودهم الناقص، يمنحونك وهم الاختيار، بينما ينسجون لك مساراً حتمياً لا يصب إلا في محيط ذواتهم، يرفعونك إلى مراتب عليا في بداياتهم، ليس حباً فيك، بل لتكون القربان الذي يغذي جوعهم المزمن للأهمية، طالما أنك تدور في فلكهم وتستمد نورك المزعوم من شمسهم الوهمية. 

لكن الحقيقة قاسية بطبعها؛ تأبى إلا أن تعري الزيف، ما إن تدرك ذاتك، وتجرؤ على النطق بكلمة “لا”، متمرداً على دور الأداة، حتى ينهار هيكلهم الهش. 

هنا.. يتحول الود الزائف إلى وحشية بدائية؛ لن يكتفوا بطعنك، بل سيحشدون “الجموع المغيبة” حولك — أولئك الذين فقدوا بوصلتهم — ليحيلوا وجودك إلى عدم؛ إنها حرب إبادة يشنونها ضد كل من يجرؤ على تذكيرهم بحقيقتهم العارية.

إنها متلازمة الاستحواذ التي شخصها النص القرآني حين كشف عن الطبيعة الشمولية للإقصاء:

 ﴿وَلَن تَرضى عَنكَ اليَهودُ وَلَا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ 

نحن اليوم لا نواجه كيانات تاريخية فحسب، بل نواجه “مللاً” نفسية حديثة؛ مجتمعات وأفراداً لا يعترفون بحقك في الوجود إلا كنسخة مشوهة عنهم، إما أن تمسخ هويتك وتعتنق دين أهوائهم، أو تُطرد من جنتهم المزعومة !، الخيار لديهم ثنائي لا ثالث له: التبعية المطلقة التي تُلغي العقل، أو التدمير المطلق الذي يُلغي الوجود. 

هذا التضخم في الذات يخفي وراءه خواءً وجودياً مرعباً؛ هؤلاء لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، لأنهم فقدوا القدرة على إدراك ما يتجاوز ذواتهم؛ ينصبون أنفسهم مشرعين، يحللون ويحرمون وفق بوصلة المنفعة اللحظية، متعدين حدود الخالق ليرسموا حدوداً تخدم جشعهم.

هؤلاء هم ملاحدة المعنى؛ لم ينكروا وجود الخالق لفظاً، بل ألحدوا في أسمائه وصفاته فعلاً! 

جردوا الألوهية من جلالها، وارتدوا رداء الكبرياء وهم من طين؛ لقد عرفوا الله معرفة تجريدية ثم أقصوه من واقعهم، فكانت النتيجة الحتمية والجزاء العادل:

 ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنساهُم أَنفُسَهُم﴾ 

لقد فقدوا جوهرهم الإنساني إلى الأبد 

في غمرة هذا السُّكر النرجسي، يسبحون في عبثية مطلقة؛ يتجاهلون الحقيقة الوجودية الأكبر، أن هذه الأرض ليست سوى محطة عبور مؤقتة، وأن الزمان يمضي ليسحق كل ادعاء بالعظمة، لا يعلمون، أو يكابرون في جهلهم، أن للإنسان نهاية محتومة. 

يعيشون وكأنهم خالدون، ولا يخشون تلك “الرقدة” المفاجئة، التي قد تختطفهم وهم في ذروة تعديهم على حدود الله واستباحتهم لكرامة الإنسان.

أمام هذا العبث، لا تملك سوى خيار اليقظة؛ لا تسلم مفاتيح روحك لأصحاب الوهم، استرد سيادتك على ذاتك، وجرد هؤلاء المتلاعبين من قدسيتهم المزيفة؛إنهم كائنات طفيلية، لا تستمد حجمها إلا من المساحة التي تقتطعها أنت من كيانك لتمنحها لهم.

أدركْ أن الخضوع التام لا يليق إلا بمطلق الكمال، بالخالق وحده؛ أما من يطالبك بإلغاء عقلك ليرضى عنك، فهو مجرد إنسان مهزوم من الداخل، يتخبط في عتمة روحه. 

انفض عنك وهم سطوتهم، دعهم يغرقون في سرابهم، وامضِ حراً، مستنداً إلى الحي الذي لا يموت؛ فالحياة أثمن من أن تُنفق في محاربة ظلال، والمصير أسمى من أن يُرتهن بيد من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *