قلم: مريم علي
عبر التاريخ سعى بعض المستفيدين من السلطة الدينية إلى تأطير فكرة ( المخلص ) في قوالب تعتمد على توحيد البشرية تحت مظلة واحدة قسراً، واحتكار النجاة لفئة دون أخرى.
لكن عند التأمل العميق في جوهر الرسالة السماوية والفطرة البشرية، تبرز أمامنا قراءة روحية أكثر اتساعاً؛ وفقاً لهذا المنظور التأملي، يمكننا رؤية النبي محمد ﷺ والمهدي المخلص جوهر واحد متصل؛ حيث يبدو أن غاية الخلاص لا تعتمد على توحيد الناس عبر الإكراه، بل تتحدث بلغة فطرية يفهمها ويتفق عليها كل سكان الأرض دون نزاع .. ألا وهي لغة الإنسانية.
تقودنا قراءة الأحداث التأريخية إلى ملاحظة كيف استغلت بعض المؤسسات مفهوم “الدين” كأداة لتصنيف البشر ومحاكمتهم، مما أدى إلى زرع التمزق المجتمعي تحت مسميات الإصلاح.
لكن إذا نظرنا إلى جوهر الإصلاح الحقيقي، سنجد أنه يتجلى بوضوح في التعايش، وحماية الضعفاء، والمحبة، والسلام.
فكرة أن المخلص سيأتي ليوحد الناس قسراً تحت معتقد واحد قد تبدو متعارضة مع النصوص التأسيسية التي ترفض الإكراه وتؤسس للحرية الفردية كشرط مسبق لأي إيمان حقيقي؛ هذا ما يوضحه النص القرآني في مقاربة هادئة تحترم الإرادة الإنسانية:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة:256)
الدين في مآله النهائي وفق هذه الرؤية، هو العودة إلى الفطرة النقية؛ تلك الفطرة التي تحتفي بالتنوع البشري كضرورة كونية للتعارف والتكامل، بعيداً عن أي نزعات إقصائية:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)
إن اللغة التي يسمو بها المخلص، والتي اختارها الله تعالى لتوحيد البشر، ليست لغة تشريعات جامدة تصنف الناس وتفرقهم، بل هي لغة الروح والفعل، الإنسانية هنا هي الترجمة العملية لمفهوم “الدين الحنيف”.
وهنا يتجلى أفق قرآني مذهل يفكك احتكار البعض لفكرة الخلاص، ليتجاوز التصنيفات والهويات الضيقة ويضع معياراً إنسانياً وأخلاقياً خالصاً يتفق عليه الجميع، ألا وهو “العمل الصالح”
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 62)
هذه الآية تبدو كإعلان عالمي يقرر أن النجاة والارتقاء الروحي لا يشترطان محو هويات الآخرين أو التعصب تحت لافتة واحدة، بل يشترطان الفعل الإنساني النبيل.
“العمل الصالح” هو اللغة المشتركة؛ فعندما نعود إلى أصل الفطرة، تسقط الخلافات الأيديولوجية، ونجد أنفسنا متفقين تلقائياً على قيم التعاطف والعدالة المشتركة، لأنها مزروعة في التكوين البشري ذاته.
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30)
تكتمل هذه القراءة عندما نتأمل في وصف الرسالة المحمدية بأنها “رحمة” ، هذا الوصف يقدم تبياناً واضحاً بأن النبي محمد ﷺ يحمل في جوهر رسالته دور المخلص المهدي ذاته.
الخلاص هنا ليس سيفاً مسلطاً لفرض الهيمنة، ولا انتصاراً لطائفة تستمد قوتها من إقصاء أخرى، بل هو امتداد لمفهوم الرحمة الشاملة التي تتجاوز حدود الجغرافيا والأعراق وتصل إلى كل إنسان.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107)
كلمة “العالمين” تفتح باباً واسعاً لاستيعاب كل تنوع واختلاف، إنها تشير إلى أن رسالة السمو الحقيقية هي تلك التي تحتضن الضعيف، وتدعو إلى السلام، وتعيد الاعتبار لقيمة الإنسان لمجرد كونه إنساناً يتشارك معنا هذه الأرض.
كيف نترجم الخلاص في عالم ممزق؟
إذا نزلنا بهذه الرؤية من سماء النص إلى أرض الواقع اليوم، سنجد عالماً تنهشه الصراعات وتديره مؤسسات وكيانات نفوذ تعتاش على تأجيج الاستقطاب.
في هذا العالم، الخلاص ليس مجرد طقوس يمارسها بعض الأفراد في عزلة، بل هو موقف أخلاقي يومي يتصدى لآلات التدمير.
لغة الإنسانية اليوم تتجلى في الطبيب الذي يعالج الجرحى دون أن يسأل عن هويتهم، وفي الصوت الذي يرفض الظلم الممنهج، وفي المجتمعات التي تفتح أبوابها للمحتاجين ويساند بعضهم بعضاً ، هذا هو التجسيد الحي لـ “الرحمة للعالمين”.
في عصرنا الحديث؛ الخلاص المعاصر ليس معجزة تهبط من السماء لتمحو الفوضى فجأة، بل هو تراكم لتلك الأفعال الإنسانية الصالحة التي تقف في وجه الاستغلال وتطبيق لنهج الخلاص الذي أتى به ختم الأنبياء ﷺ .
الخلاص لا يكمن في ترقب حدث خارق للعادة يغير العالم بالقوة، بل في إدراك أن روح المخلص ورسالة النبي ﷺ تتجسدان في كل فعل إنساني نبيل وعمل صالح.
عندما نتبنى المحبة والسلام كأسلوب حياة، وعندما نكف عن محاكمة نوايا بعضنا البعض ونلتفت لبناء تعايش حقيقي، فإننا قد نكون في الواقع نعيش حالة الخلاص تلك، ونترجم لغة الإنسانية التي اتفق عليها العالم أجمع دون أن ننتظر وهم وسراب لن يأتي لأنه قد جاء بالفعل بقدوم خير الخلق محمد ﷺ.


اترك تعليقاً