قلم : مريم علي
في كل مرحلة تاريخية، ينشأ معسكران متناقضان جوهريا ، معسكر المؤمنين الحق الذين يمثلون الفاعلية والتحرر والإنتاج، ومعسكر المتكسبين بالدين الذين يمثلون الكهانة والوساطة الطفيلية ، وتلك سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا ولا تحويلا .
تاريخياً وعصرياً، يصمم بعض الكهنة ورجال الدين منظومة ( جباية كهنوتية ) ، يطلقون عليها مسميات خادعة وسافرة لتبرير امتصاص ثروات الناس (كأن يزعموا حصريتهم في استلام الخمس، أو الزكوات، أو أموال التبرعات بذريعة رعاية الحقوق الشرعية).
هذه المنظومة تعيد إنتاج العبودية المالية ، ليعيش أولئك الأدعياء في رغد من العيش واكتناز الذهب والفضة وشراء العقارات على حساب فقر واستنزاف الضحايا الأبرياء.
المنهج القرآني واضح وحاسم في تحديد حركة المال ؛ فالأصل في المؤمنين وفي مقام القيادة النبوية الشريفة هو الفعل الإيجابي المعطاء (الإيتاء)، وليس تفعيل قنوات للأخذ والتكديس.
حين يصف القرآن المؤمنين الحق، يصفهم دوماً بصفة الفاعلية والبذل المباشر:
«وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» [التوبة: 71]
«الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ» [النمل: 3]
كلمة يؤتون تعني الفعل الفاعل أن المؤمن يباشر عملية النماء بنفسه، ويوصل المال والمنفعة إلى مستحقيها الفعليين مباشرة.
و لا يوجد في التشريع القرآني طبقة رجال دين أو شيوخ مهيئين أو موكلين لاستلام الزكوات أو الصدقات كوسطاء بين المنفِق والمستحق.
تسليم المال لشيخ أو رجل دين غير مستحق بذاته (وليس فقيراً أو مسكيناً فعلياً) هو خرق مباشر لقانون التزكية والعدالة، ويُعدّ تكريساً لـ “سلطة الكهانة المالية” التي حاربها الأنبياء جميعاً.
القرآن الكريم لم يصمت عن هذا النوع من السرقة المنظمة؛ بل وضع المجهر مباشرة على الفئة الأكثر ممارسة لهذا الاستغلال المالي، وهم بعض القيادات الدينية المتاجرين بالحقوق
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ» [التوبة: 34]
هذا النص القاطع يبيبن ان تكييف الفتاوى والتشريعات المفتعلة لامتصاص حقوق الضحايا وتسميتها “حقوقاً شرعية” هو أكلٌ صريح لأموال الناس بالباطل وعملية نهب منظمة.
و إن تحويل الدين إلى أداة لابتزاز الجيوب يفرّغ القلوب من روحانيتها، ويجعل الناس ينفرون من الحق ويفقدون الثقة بالقيم الروحية، وهو الصد الحقيقي عن السبيل.
وقد توعد الله هؤلاء اللصوص بعذاب أليم لأنهم يمارسون “احتكار واكتناز الثروة” لمنفعتهم الشخصية باسم الإله، مستغلين جهل الضحايا وخوفهم الباطني.
الأنبياء والرسل لم يؤسسوا إقطاعيات دينية يتوارثها من يسمون أنفسهم بـ العلماء أو الفقهاء أو المراجع أو نواب للإمام أو حتى الإمام نفسه لجمع الأموال ؛ لقد كان دورهم تجريدياً، يحمي العقول والجيوب من تحكم المستبدين.
فالزكاة، والصدقة، هي قنوات تضامن اجتماعي مباشر ، يجب أن تذهب حصراً لـ المستحقين المنصوص عليهم قرآنياً (الفقراء، المساكين، الغارمين، المحتاجين الفعليين)، دون المرور بطبقة المتكسبين الذين يقتطعون نسبة كبيرة جداً من هذه الحقوق ليشيدوا بها قصورهم ويغذوا بها نفوذهم ويعطوا الفتات للمستحقين !
إن التفريق بين المؤمن الداعي للحق والمتكسب الكهنوتي يكمن في البوصلة المالية ، المؤمن الحق يُؤتي ويعطي الزكاة لتتحقق التنمية المباشرة في محيطه، بينما الكاهن والمتكسب يأخذ ويسرق أموال الناس بالباطل ليعمر جيبه ؛ كن واعياً من دجالي العصر وتذكر أن الانبياء والرسل يؤتون الزكاة ولا يأخذونها وهذا فرق جوهري بين دعاة الحق ودعاة الباطل .
ان أصبت من الله وان اخطأت فمن نفسي .


اترك تعليقاً