قلم : مريم علي
كيف حطّم القرآن والمقام النبوي سلاسل الكهانة العصرية؟
في كل زمان ومكان، يعيد الدجالون والمحتالون إنتاج أنفسهم تحت مسميات براقة؛ يرتدون أقنعة “التنوير” أو “الروحانيات العالية”، مستخدمين لغة معسولة ومضللة ليصنعوا بها “عبودية إدراكية وتصميمًا للتبعية العمياء”.
يزعم هؤلاء الأدعياء احتكار المعرفة، ويدّعون أن الفتح الإلهي ينزل حصراً على عقولهم دون بقية البشر، غايتهم من ذلك إقناعك بأن رادارك الفطري عاطل، وأن طريقك الوحيد للهداية هو أن تلغي عقلك وتتحول إلى تابع مسلوب السيادة الشخصية، يقتات على فتات أوهامهم.
ومن أخبث آليات القمع النفسي التي يمارسها هؤلاء الأدعياء، هي سرقة استحقاقك الروحي وقرصنة فتوحاتك الذاتية ، فحين يمنّ الله عليك بومضة وعي، أو كشف فكري، أو ارتقاء نفسي بفضل طهارة نفسك وجهدك، يسارع الدجال إلى قمع هذا الاستقلال فوراً عبر تكتيك الابتزاز الطاقي؛ فيوهمك بأن هذا الفتح لم يأت لأجلك أصلاً، بل نزل عليك فقط ببركة وجوده في حياتك، وأنه عَبَر من خلال حيزه إليك، ولولاه لظللت في ظلمات التيه.
إنه يحوّل فضل الله المباشر المنزه عن الوسائط إلى “مِنّة بشرية” يطوق بها عنقكِ، ليمعن في إشعاركِ بالضعف والدونية، ويضمن ألا تفصل خطك الزمني عن وعائه المسموم.
القرآن الكريم جاء لينسف هذه السلالة من الكهانة نسفاً قاطعاً ؛ فالخالق سبحانه حينما حثّ الإنسان على التعلم والمعرفة، لم يربط عقل البشر برهن إشارة دجال أو مدعي للنور والمقام ، بل وجههم مباشرة إلى التفكر والتعقل الذاتي، مرجعاً إياهم إلى آياته وكتابه عبر سيل من النداءات الوجودية الحازمة والمباشرة دون وسيط
«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»،
و «أَفَلَا يَعْقِلُونَ»، و«أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ»
هذه الأدوات الاستفهامية التوبيخية تبرهن على أن “مفاتيح الفتح المعرفي” مودعة في قلب وعقل كل إنسان يملك الإرادة لتفكيك الأقفال والاتصال بالحق ، فالقرآن لم يحجر على عقول الناس ولم يكل تفكيرهم لأوصياء، بل وجّه أبصارهم وبصائرهم نحو ملكوت السماوات والأرض، ودعاهم للاعتبار من سنن التاريخ وقصص الأقوام السابقة، ليؤكد أن المعرفة الإلهية والكونية مبذولة لكل من سار في الأرض بقلب عاقل وعين مبصرة.
إن التبعية المطلقة لأي بشر—خارج إطار الوعي والعقل—هي عبودية صريحة ، والأنبياء والرسل لم يستعبدوا الناس تحت أي بند، ولم يتخذوا من دعواتهم وسيلة للمكسب الشخصي؛ فلم يطلبوا من أقوامهم يوماً مقابلاً ماديّاً، ولا تبعية عمياء تلغي سيادتهم، ولا اتخذوهم دروعاً بشرية يحتمون بها من تكذيب الآخرين وأذاهم.
لقد وضع القرآن حدّاً إلهيّاً صارماً يجرّد حتى الأنبياء والملائكة من أي سلطة روحية تقود إلى استبعاد العقول، واصفاً هذه التبعية المطلقة للأشخاص بأنها ارتدادٌ نحو الظلام والكفر بعد الإيمان:
«وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»
الأنبياء والرسل لم يأتوا ليحجروا النور الإلهي، بل كانوا “حراس بوابات النور”؛ يفتحون الأبواب للبشرية مشرعة دون ثمن، ويدعون الناس للدخول والاتصال المباشر بالخالق العظيم، مكرسين أسمى قيم الحرية والكرامة الإنسانية.
وهنا يتجلى السمو الأخلاقي وعظمة المقام النبوي للرسول ﷺ وهو مدينة العلم الأتم والمتصل بالوحي السماوي ، في أنه لم يستغل هذا الاختصاص الإلهي العظيم ليتسيد على رقاب الناس أو يستعبد عقولهم ، لقد وضع الوحي حداً فاصلاً يمنع نشوء أي وثنية معرفية تتمسح بقداسة الأشخاص:
- إعلان التواضع الكوني: «مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ»؛ هكذا كسر النبي ﷺ أي نزعة لاحتكار المعرفة في شخصه، معلناً أنه حلقة في سلسلة النور الإلهي الممتدة، وليس كائناً خارجاً عن السنن الإنسانية .
- تحديد الوظيفة الرسالة : «إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ»؛ فالرسول يبلغ الشرع، ويعلم الناس دينهم، ويضيء لهم الطريق، لكنه لا يلغي إرادتهم الحرة.
- تحريم الطغيان الإدراكي: وجّه الله له الخطاب حاسماً ومباشراً: «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ».
هذا هو الميزان النبوي الأسمى؛ الرسول يقود القلوب بالنور والبيان، ويرفض تماماً دور “المسيطر” الذي يشل حركة العقول ؛ فإذا كان هذا هو مقام النبي المعصوم، فكيف يجرؤ دجال أو محتال بشري على فرض سيطرته على عقلك بزعم أنه يملك مفتاح الفتح الحصري؟
إن الوعي بهذا التحرر القرآني ليس ترفاً فكرياً، بل هو الركيزة التي تحمي الأفراد والمجتمعات من التفكك والنحر النفسي ، عندما يدرك الإنسان أن قنوات الاتصال بالخالق والتدبر في كونه مفتوحة له مباشرة عبر التعقل والتفكر، يتحرر فوراً من خوف الاضطهاد والانكفاء، وينطلق في الأرض مستقلاً بسيادته الفكرية والأخلاقية.
وتحطيم صنم احتكار المعرفة يحمي المجتمع من التحول إلى “قطيع تابع” لجلادين ودجالين يمتصون طاقات الناس ، هذا الوعي يصنع بيئة تتنفس الحرية، وتتبادل الإحسان، وتتحرك ببوصلة عقلية جماعية مستمدة من نور الله وحده.
إن النبوة جاءت لتحرير العقول وتزكيتها، بينما الدجل جاء لتقييدها وابتزازها ، رادارك الداخلي هو هبة الله لك فلا تسلم مفاتيح عقلك لسامريٍّ يدّعي احتكار النور، بينما النور بين يديك في كتاب الله مسطور .


اترك تعليقاً