فكرة | إلهام | حكاية

جوهر الدين | حين تسقط القشور وينهض الإنسان

قلم : مريم علي

قال سبحانه وتعالى : 

( لَيسَ البِرَّ أَن تُوَلّوا وُجوهَكُم قِبَلَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ وَلكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالكِتابِ وَالنَّبِيّينَ وَآتَى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُربى وَاليَتامى وَالمَساكينَ وَابنَ السَّبيلِ وَالسّائِلينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالموفونَ بِعَهدِهِم إِذا عاهَدوا وَالصّابِرينَ فِي البَأساءِ وَالضَّرّاءِ وَحينَ البَأسِ أُولئِكَ الَّذينَ صَدَقوا وَأُولئِكَ هُمُ المُتَّقونَ ) – سورة البقرة آية ١٧٧ – 

لطالما انشغل العقل البشري بقشور الأشياء على حساب جوهرها، محولاً العقيدة من روحاً حية تعمر الأرض إلى طقوس آلية وحركات شكلية باردة ؛ وفي زحام هذا التدين السطحي تأتي الآية الكريمة: ﴿لَيسَ البِرَّ أَن تُوَلّوا وُجوهَكُم قِبَلَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ﴾ لتسقط وهم الشكليات، وتؤسس لفلسفة أخلاقية وعملية تعيد تعريف “البر” والتقوى 

يفكك النص القرآني هنا أيديولوجية التدين المظهري بضربة واحدة ، فالالتفات بالوجوه نحو جهة معينة -والذي يمثل ذروة العبادة الصورية- لا يحمل قيمة حقيقية إذا انفصل عن حركة الإنسان الفاعلة في مجتمعه وواقعه ؛ 

الصلاة والتوجه شطر القبلة ركن أساسي لا جدال فيه ، لكن الخالق يقرر بوضوح تام أن بوصلة الجسد لا تكفي إطلاقاً إذا ضلت بوصلة الروح وغاب الأثر الأخلاقي والإنساني

البر الحقيقي كما ترسمه بقية الآية هو معادلة متوازنة تجمع بين عمق اليقين الداخلي (الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) وبين الحراك الاجتماعي والاقتصادي الشجاع ، الله لا يطلب من الإنسان مجرد إيمان صامت، بل يطالبه بإعادة توزيع الثروة (وآتى المال على حبه)، وكسر احتكار الموارد لإنقاذ الفئات الهشة (اليتامى والمساكين وابن السبيل)، وتحرير الإنسان من القيود (وفي الرقاب)، والالتزام الصارم بالمواثيق (والموفون بعهدهم)، والصمود الصلب أمام الأزمات (والصابرين في البأساء والضراء) 

إنها فلسفة تنقل الدين من دوائر المعابد المغلقة إلى شوارع الحياة المفتوحة ؛ المؤمن الصادق يترجم إيمانه الغيبي إلى رغيف خبز لجائع، وسقف يحمي مشرداً، وموقف يحقق العدالة 

بهذا المعنى البليغ والبسيط، يعلمنا القرآن أن مقياس العلاقة مع الخالق لا يُختزل في الاتجاه الذي يولي الإنسان وجهه نحوه، بل في مقدار الخير الذي تزرعه يداه ، التدين الصادق ليس هروباً من العالم نحو السماء، بل هو استمداد للنور من السماء لإضاءة عتمة الأرض وإعمارها بالرحمة، والعمل الصالح والعدل الفاعل 

وليبقى هذا المعنى حياً، يبرز التساؤل الجوهري الذي يقرع ضمير كل إنسان ، فما فائدة تلك العبادة الصورية إذا اقترنت بفعل الكبائر مثل سرقة مال اليتيم وظلم الناس والفتنة وغيرها؟ 

رد واحد على “جوهر الدين | حين تسقط القشور وينهض الإنسان”

  1. الصورة الرمزية لـ عبدالرحمن
    عبدالرحمن

    شكراً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *