فكرة | إلهام | حكاية

بين مرونة النفس والأصنام الفكرية والمعنوية | تدبر في القرآن وتحرير للعقل

قلم: مريم علي

في رحلة الإنسان نحو الحقيقة، لا يكون التحدي الأكبر دائمًا في نقص المعرفة، بل قد يكون في القدرة على مراجعة ما يظنه معرفة. 

فالنفس البشرية تمتلك قابلية فطرية للتعلم والتغير، لكنها قد تتعلق ببعض القناعات حتى تتحول، من حيث لا تشعر، إلى أصنام فكرية ومعنوية يصعب الاقتراب منها أو مساءلتها.

والمقصود بالأصنام الفكرية والمعنوية هنا ليس الأفكار أو القيم التي يؤمن بها الإنسان، وإنما كل فكرة أو قناعة أو انتماء يكتسب في النفس قداسة تمنع صاحبها من إعادة النظر فيه، حتى إذا ظهر الدليل بقي الإنسان أسيرًا لما ألفه. 

ومن هنا يبرز التدبر القرآني بوصفه منهجًا لا يكتفي بدعوة الإنسان إلى الإيمان، بل يدعوه أيضًا إلى تحرير عقله من سلطان الهوى، والألفة، والانطباعات الأولى.

أولاً: حين يصبح المألوف حجة

يحث القرآن الكريم الإنسان مرارًا على التدبر والتفكر، وكأن هذه الدعوات تذكره بأن العقل لا يؤدي وظيفته بمجرد امتلاك المعرفة، بل بقدرته على مراجعتها. ولذلك جاء نقد القرآن للاتباع الأعمى للموروث، لا لأن كل موروث باطل، وإنما لأن الموروث لا يكتسب صحته بمجرد قِدمه.

قال تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.

فالآية لا تدعو إلى هدم التراث، وإنما تنزع القداسة عن مجرد الاتباع، وتعيد الإنسان إلى معيار أعمق .. معيار التعقل والتدبر والاحتكام إلى الدليل.

ثانياً: ماذا تعلمنا قصة إبليس؟

عند تدبر قصة إبليس، يلفت الانتباه أن القرآن لا يكتفي بذكر المخالفة، بل يكشف الطريقة التي تشكل بها ذلك الموقف. 

فقد قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، ثم بنى على هذا التصور حكمًا حال بينه وبين الامتثال.

ولعل من الدروس التي يمكن استلهامها من هذه القصة أن الكبر قد يحول القناعة إلى يقين مغلق، فيصعب على الإنسان مراجعة نفسه حتى إذا ظهرت له الحقيقة. 

وليس المقصود تشبيه كل من يتمسك برأي بإبليس، فالبشر يخطئون ويتراجعون، وإنما التحذير من أن يتحول الرأي إلى موضع تعالٍ يمنع صاحبه من الإنصاف.

ثالثاً: بين القرآن وعلم النفس

إذا كان القرآن يصف هذا السلوك من زاوية الهداية والضلال، فإن علم النفس يحاول تفسير بعض الآليات التي قد تجعل الإنسان يقاوم تغيير قناعاته.

فقد أشار الباحثون إلى ما يُعرف بالتحيز التأكيدي، وهو ميل الإنسان إلى البحث عما يؤيد رأيه أكثر من بحثه عما قد يصححه. 

كما تحدثوا عن التنافر المعرفي، وهو حالة من التوتر الداخلي قد يشعر بها الإنسان عندما تصطدم قناعاته بمعلومات جديدة، فيجد نفسه ميالًا إلى الدفاع عن رأيه أكثر من إعادة تقييمه.

وهذه الميول لا تعني أن الإنسان عاجز عن التغيير، لكنها تذكره بأن مراجعة النفس تحتاج إلى قدر من التواضع والشجاعة، وهو ما ينسجم مع دعوة القرآن المستمرة إلى التدبر والتفكر ومحاسبة النفس.

رابعاً: تحرير العقل يبدأ من النفس

ولعل الأصنام الفكرية والمعنوية لا تنشأ في العقل وحده، بل قد تتغذى من تعلق النفس بما اعتادته، أو بما يمنحها شعورًا بالأمان والانتماء.

 ولهذا لم يكن خطاب القرآن موجهًا إلى العقل وحده، بل إلى القلب أيضًا، لأن تحرير الفكر يبدأ غالبًا من تزكية النفس.

فالإنسان قد يعرف الحقيقة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى قدر من الصدق مع نفسه حتى يقبلها إذا خالفت ما اعتاده أو ما نشأ عليه. 

ومن هنا تصبح مراجعة الأفكار ليست هدمًا للهوية، بل خطوة نحو بناء هوية أكثر رسوخًا واتزانًا.

إن التدبر القرآني ليس مجرد تأمل في ألفاظ الآيات، بل هو ممارسة تدعو الإنسان إلى أن يراجع نفسه كما يراجع أفكاره، وأن يزن قناعاته بميزان الدليل لا بميزان الألفة أو الهوى.

ولعل من أصدق علامات النضج أن يبقى الإنسان مستعدًا للتعلم، وألا يخشى إعادة النظر فيما تبين له خطؤه. 

فالحقيقة لا تنقص من قدر من يطلبها، بل ترفعه، والقرآن لا يدعو إلى عقلٍ يحفظ فحسب، وإنما إلى عقلٍ يتدبر، وقلبٍ يتواضع، ونفسٍ تتحرر من كل صنمٍ فكري أو معنوي يحول بينها وبين الهداية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *