قلم : مريم علي
يقول الله تعالى:
﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾
للوهلة الأولى سيظن البعض أن الآية تفتح باب الثأر ، بينما التأمل في بنائها يكشف معنى مختلفًا تمامًا
فالقرآن لم يقل: اعتدوا بأكثر ولم يقل: لا تدافعوا عن حقوقكم مطلقًا
بل وضع ميزانًا دقيقًا بكلمة واحدة ..
﴿بِمِثْلِ﴾
وهنا تظهر فلسفة القرآن في بناء وتربية النفس والمجتمع
فالغاية ليست تأجيج مشاعر الغضب ولا إشباع رغبة الانتقام وإنما إعادة الإنسان إلى ميزان العدل
فالاعتداء حين يلقى ردًا مماثلًا فإن المعتدي يرى أثر فعله منعكسًا أمام عينيه ، فيدرك قبح ما صنع ويعلم أن الظلم لا يمر بلا حساب ، ويذوق مرارة صنعه كما أذاقها غيره وهنا يصبح الجزاء وسيلة لردع الظلم وحماية المجتمع، لا وسيلة لإطلاق الكراهية
ولهذا فإن المطالبة بالحق ليست دائمًا نقيضًا للعفو، كما أن العفو ليس دائمًا أعلى المقامات في كل حال فلكل مقام حكمته
إذا كان التنازل عن الحق سيشجع الظالم على التمادي، أو يفتح الباب لانتشار الاعتداء بين الناس، فإن إقامة العدل تصبح حماية للمجتمع كله، لا مجرد انتصار لفرد
إن القرآن لا يربي الإنسان على أن يكون منتقمًا ولا يربيه على أن يكون مستسلمًا، بل يربيه على أن يكون عادلًا
فالانتقام يتجاوز الحد والاستسلام يضيع الحد
أما العدل، فيقف عند الحد الذي رسمه الله فلا إفراط ولا تفريط
ومن هنا نفهم أن الحدود التي وضعها القرآن ليست قيودًا على الإنسان، بل قيودًا على الظلم نفسه ، فهي تمنع المعتدي من التمادي، وتمنع المعتدى عليه من أن يتحول إلى معتدٍ جديد
وهكذا يحفظ القرآن المجتمع من دائرتين خطيرتين: دائرة الظلم، ودائرة الانتقام
فإذا استقام ميزان العدل، هدأت النفوس وعرف كل إنسان أن حقه محفوظ وأن تجاوزه على حقوق الآخرين لن يمر دون حساب
ولهذا كان العدل في القرآن ليس مجرد حكم قضائي، بل تربية للنفس، ورسالة للمجتمع، ورحمة للطرفين؛ للمظلوم حتى لا يُهضم حقه، وللظالم حتى يقف قبل أن يزداد ظلمًا



اترك تعليقاً